سورة آل عمران
القول في تأويل قوله تعالى: ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السموات والأرض والله بما تعملون خبير اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه جماعة من أهل الحجاز والعراق: ولا يحسبن
يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ} [آل عمران: 180] مَحْذُوفٌ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَحْذِفْ إِلَّا وَفِي الْكَلَامِ مَا قَامَ مَقَامَ الْمَحْذُوفِ، لِأَنَّ {هُوَ} [البقرة: 29] عَائِدُ الْبُخْلِ، وَ {خَيْرًا لَهُمْ} [آل عمران: 110] عَائِدُ الْأَسْمَاءِ، فَقَدْ دَلَّ هَذَانِ الْعَائِدَانِ عَلَى أَنَّ قَبْلَهُمَا اسْمَيْنِ، وَاكْتَفَى بِقَوْلِهِ: يَبْخَلُونَ، مِنَ الْبُخْلِ، قَالَ: وَهَذَا إِذَا قُرِئَ بِالتَّاءِ، فَالْبُخْلُ قَبْلَ الَّذِينَ، وَإِذَا قُرِئَ بِالْيَاءِ، فَالْبُخْلُ بَعْدَ الَّذِينَ، وَقَدِ اكْتَفَى بِالَّذِينَ يَبْخَلُونَ مِنَ الْبُخْلِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الوافر]
إِذَا نُهِيَ السَّفِيهُ جَرَى إِلَيْهِ ... وَخَالَفَ وَالسَّفِيهُ إِلَى خِلَافِ
كَأَنَّهُ قَالَ: جَرَى إِلَى السَّفَهِ، فَاكْتَفَى عَنِ السَّفَهِ بِالسَّفِيهِ، كَذَلِكَ اكْتَفَى بِالَّذِينَ يَبْخَلُونَ مِنَ الْبُخْلِ. وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) بِالتَّاءِ بِتَأْوِيلِ: وَلَا تَحْسَبَنَّ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ بُخْلَ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا أَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، هُوَ خَيْرًا لَهُمْ، ثُمَّ تَرَكَ ذِكْرَ الْبُخْلِ، إِذْ كَانَ فِي قَوْلِهِ {هُوَ خَيْرًا لَهُمْ} [آل عمران: 180] ، دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ مُرَادٌ فِي الْكَلَامِ، إِذْ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَهُ قَوْلُهُ: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [آل عمران: 180] وَإِنَّمَا قُلْنَا: قِرَاءَةُ ذَلِكَ بِالتَّاءِ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ قِرَاءَتِهِ بِالْيَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَحْسَبَةَ مِنْ"