يبلغ قلتين يجري (١) الترتيب فيه على عكس ما ذكرناه، فنقول: إن أتى على بعض الماء على الحد الذي ذكرناه، لم يتعلق به الحرمة، وإن أتى الصبي على جميع الماء، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن الحرمة تثبت وإن كان اللبن مغلوباً، كالماء القليل. والثاني - أن الحرمة لا تثبت؛ فإن هذا المبلغ من الشرع (٢) على قوة غالبة، ولذلك لا يحمل نجساً مع استيقان انبثاث النجاسة فيه.
والأولى أن ننفصل عن هذا ونقول: أمرُ النجاسة واندفاعُها مبني على مسيس الحاجةِ والضرورة؛ فإن المياه إذا كثرت وبلغت مبلغاً لا تحويه الظروف والأوعية، فيعسر صونها عن النجاسة، ومن الأصول الثابتة العفوُ عن النجاسات التي يعسر التصوُّن منها، وهذا المعنى لا يتحقق في اللبن، فيجب أن نرعى فيه استيقان وصول اللبن إلى الجوف.
وإذا كان كذلك، فلو أتى الصبي على قُلَّةٍ من الماء، وقد مازج الماءَ رَطلٌ أو أكثر من اللبن، فلا يبعد تخريج ذلك على الخلاف، فإن هذا القائل يجعل الماء الكثير كالماء القليل، ولا يربط بما فيه من القوة الدافعة للنجاسة حُكماً، فيترتب عليه إخراج حد الكثرة عن الاعتبار.
١٠٠١٤ - ومن تمام البيان في هذا الفصل أنا ذكرنا اللبن وكونَه مغلوباً أو غالباًً، وقد اختلف أئمتنا في معنى الغلبة، فذهب ذاهبون إلى أن المغلوب هو الذي لا يُحَسُّ له وصف، وإليه مصير الجماهير.
وذكر الشيخ أبو علي وجهاً آخر أن المغلوب هو الذي يَخرُج بكثرة الماء عن كونه معتدّاً للتغذي؛ فإن الغلبة في كل باب تعتبر على حسب ما يليق به، والمعنيُّ بما ذكرناه أن يصير اللبن -وإن كان يحسُّ لونه مثلاً مع الماء- بحيث لا يغذي.
وهذا الذي (٣) ذكره فيه خيالُ الفقه، ولكن التصوير لا يطابقه، فإن وصف اللبن إذا كان بادياً، فلا بد وأن يكون مؤثراً جنسُه في الغذاء، وإن كان يرق، وهذا
(١) في الأصل: جرى.
(٢) الشرع: المراد هنا الماء: أي إن هذا القدرَ من الماء، اعتبر الشرعُ فيه قوةً غالبةً ... إلخ.
(٣) في الأصل: وهو الذي.