يجب على الإمام بعث السعاة لأخذ الصدقات؛ لأن جمعها وتفريقها على المستحقين - واجب عليه، والنبي - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء من بعده كانوا يبعثون السعاة لأخذها؛ ولأن من الناس من لا يعرف ما يجب عليه، ومن يحب أن يصرف إليه فإذا بعث الإمام ساعياً، فلا يبعث إلا حراً عدلاً ثقةً؛ لأن هذه ولاية وأمانة؛ وليس العبد والفاسق من أهلهما، ولا يبعث إلا فقيهاً يعرف ما يؤخذ، وما لا يؤخذ، وقد يحتاج إلى الاجتهاد فيما يعرض له، وإنما يبعث السعاة في الوقت الذي يوافي حلول الحول على الأموال، إن اتفقت أحوالهم.
فإن كان ذلك في زكاة الثمار والزروع، فوقت وجوبها إدراك الثمار، واشتداد الحبات في الزروع؛ وذلك لا يختلف.
وإن كان في المواشي، واختلف أحوال الناس فيها، فيبعث في المُحرم؛ لأنه ول السنة الشرعية؛ شتاء كان أو صيفاً، فينبغي أن يكون خروجه قبل الحرم؛ حتى يوافي أرباب الأموال في أول المحرم، فلا يتأخر الأداء عن أول الحول ثم من تم الحول على ماله أخذ الساعي زكاته، ومن لم يتم حوله يستحب لرب المال تعجيل الزكاة، فإن لم يفعل لم يجبر عليه؛ فيقيم الساعي نائباً يأخذ صدقته إذا تم حوله، وينصرف.
ويأخذ صدقة المواشي على مياه أهلها إذا أوردوها الماء؛ ليس له أن يكلف أرباب الأموال جمع المواشي في البلد؛ لأن فيه مشقة عليهم، ولا عليه أن يتبع مراعيها في المفاوز؛ لأن فيه مشقة عليه. وإن كان لرب المال ماءان أمره الساعي أن يجمعها عند أحدهما، وإذا حرنت الماشية في الربيع عن الماء بالكلأ، حصر الساعي عليهم؛ حيث كانت؛ قريبة أو بعيدة؛ فأخذ الزكاة في أفنيتهم في مُراحها؛ فإذا أراد إحصارها، جمعها في حيرة؛ يخرج منها واحدة بعد أخرى، وينصب في بابها خشبة ثبت كل شاة وصل غليها؛ ليكون أسهل في العدد، ويقف رب المال أو نائبه على باب الحظيرة، والساعي أو نائبة من الجانب الآخر يعدانها. فإن اختلفا في الإحصاء؛ نظر: إن لم يكن في اختلافهما تكميل نصاب؛ بأن قال رب المال: مائة وعرة، وقال الساعي: مائة وعشرون؛ فلا معنى لهذا الاختلاف؛ لأن زكاة العددين واحد. وإن كان فيه تكميل نصاب؛ بأن قال رب المال: مائة وعشرون، وقال الساعي: مائة وإحدى وعشرون -يُعاد الإحصاء ولو أخبره رب المال قبل الإحصاء بالعدد؛ وهو ثقة -قُبِل منه.