{واصنع الفلك بأعيننا ووحينا {ولا شك في أن الحاجة إلى الغزل والنسج والطحن والجر والخياطة والبناء وما يجري مجراها ليست دون الحاجة إلى الملبوس المحصن من اللباس، وإن الناس لو أحلوا من الدلالة عليها في أولي الأمر، لم يقفوا عليها، ولم يهتدوا إليها، كما أن كل من لم يجربه اليوم ولم يرشد إليه لم يبلغه علمه ولم يدركه فهمه، فواجب إذاّ أن يكون أولها تعليماً، كما كان أول علم الأسماء تعليماً.
ومنها تخصص الأنبياء صلوات اله عليهم بالأخبار عما قد كان مما ليس علمه موجوداً عند الذين هم بين أظهرهم من غير أن يعرف لهم البقاء ممن أخبرهم به، أو قرأوا كتابا من الكتب الناطقة به ليكن علمهم بها وإخبارهم الناس عنها دليلا على صدقهم وإحقاقهم في دعوتهم، إذا كانت الغائبات لا تدرك إلا بالأخبار. فإذا أدركها واحد من الناس لا من قبل أحد يتهيأ إصابة ذلك العلم إليه منهم أثبت أن الله عز وجل هو الذي أنبأ بها.
قال الله عز وجل: {تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا {. وقال: {ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أنهم بكفل مريم، وما كنت لديهم إذ يختصمون {. وقال: {ذلك من أنباء الغيب نوحيه إلي، وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون {.
ومنها تخصصهم بالتوفيق على أسرار الناس ومحباتهم، ودخل في هذا قول الله تعالى حكاية عن عيسى صلوات الله عليه بأن قال لقومه: {وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم {.
وأخبار النبي صلى الله عليه وسلم العباس: الذهب الذي استودعته أم الفضل. وإخباره كثيرا من الناس بما جاءوه له وبما نالوه في أنفسهم من غير أن يكون سمع سامع ذلك منهم.
ومنها توفيقهم على علم المعاشرة. فإن الحاجة إليه كالحاجة إلى علم الحكم والسياسة، فإن من لا خلق لا ولا آداب له اضطر إلى الانقباض والعزلة، ولم يتسع للانبساط والمداخلة، ودخل عليه الخلل في أحواله وأموره.