لأنَّ المَنْفَعَةَ مَجْهُولَةٌ لا يُمْكِنُ تَقْوِيْمُهَا، وَقِيْلَ: إنْ وَصَّى بالمَنْفَعَةِ عَلَى التَّأْبِيْدِ قُوِّمَت الرَّقَبَةُ والمَنْفَعَةُ مِنَ الثُّلُثِ لأنَّ عَبْداً لا مَنْفَعَةَ فِيْهِ لا قِيْمَةَ لَهُ غَالِباً، وإنْ كَانَت الوَصِيَّةُ بِمُدَّةٍ مَعْلُوْمَةٍ اعْتُبِرَتْ المَنْفَعَةُ مِنْ جَميعِ الثُّلُثِ، وعلى ما ذَكَرْنا يُخَرَّجُ إِذَا وَصَّى بِثَمَرَةِ شَجَرَةٍ فإنَّهُ يَصِحُّ، فإنْ عَيّنَ عَاماً (1) اعْتَبَرَ ثَمَرَةَ ذَلِكَ العَامِ مِنَ الثُّلُثِ فإنْ لَمْ يُثْمِرْ في العَامِ المُعَيَّنِ بَطَلَت الوَصِيَّةِ، وإنْ لَمْ يَعْتَبِر العَام لَكِنْ قَالَ: أوَّلُ عَامٍ يُثْمِرُ شَجَرِي فإنَّهُ يَعْتَبِرُ ذَلِكَ العَامَ مِنَ الثُّلُثِ، فإنْ وَصَّى بِمَا يُثَمِّنُ شَجَرَهُ أبداً (2)، فَعَلَى ما ذَكَرْنَا مِنَ الأوْجُهِ الثُّلُثِ، وَكَذَلِكَ الحُكْمُ إِذَا وَصَّى لَهُ بِحَمْلِ جَارِيَتِهِ، وتَجُوزُ الوَصِيَّةُ بِمَا لا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ كالجَمَلِ الشَّارِدِ والعَبْدِ الآبِقِ والطَّيْرِ في الهَوَاءِ، فإنْ قَدَرَ عَلَيْهِ أخَذَهُ إنْ خَرَجَ مِنَ الثُّلُثِ، وإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ بَطَلَت الوَصِيَّةُ، وتَجُوزُ الوَصِيَّةُ بِمَا لا يَمْلِكُهُ كالوصية بِمِئَةِ دِيْنَارٍ لا يَمْلِكُهَا، ومَتَى خَرَجَتْ مِنْ ثُلُثِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ أو مَا خَرَجَ مِنْهَا أخَذَهُ المُوْصَى لَهُ، وتَصِحُّ الوَصِيَّةُ بِمَا فِيْهِ مَنْفَعَةٌ مِنَ النَّجَاسَاتِ كالسِّرْجِينِ النَّجِسِ والزَّيْتِ النَّجِسِ والكِلابِ.
وَإِذَا وَصَّى بِكَلْبِ وله كلبُ مَاشِيَةٍ أو صَيْدٍ فَلَهُ أخْذُهَا بالقُرْعَةِ عَلَى قَوْلِ الخِرَقِيِّ (3)، وعلى رِوَايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ يُعْطُوهُ الوَرَثَةُ ما يَخْتَارُونَ مِنْهَما فإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُ كَلْبٍ فَلَهُ ثُلُثُهُ، فإنْ كَانَ لَهُ مَعَ الكَلْبِ مَالٌ فَلِلْمُوصَى لَهُ جَمِيْعُ الكَلْبِ.
ولا يُعْتَبَرُ خُرُوْجُهُ مِنَ الثُّلُثِ؛ لأنَّهُ لاَ قِيْمَةَ لَهُ، وَقِيْلَ: لِلْمُوْصَى لَهُ ثُلُثُ الكَلْبِ، فإنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَالِهِ كَلْبٌ بَطَلَت الوَصِيَةُ، وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلاَّ كَلْبُ الهِرَاشِ (4) فإنْ وَصَّى لَهُ بِنَجَاسَةٍ لاَ مَنْفَعَةَ لَهُ فِيْهَا كالمَيْتَةِ والخَمْرِ لَمْ تَصِحَّ الوَصِيّةُ، فإنْ وَصَّى بِطَبْلٍ وله طَبْلٌ للحَرْبِ (5) وطَبْلٌ للَّهْوِ انْصَرَفَت الوَصِيَّةُ إِلَى طَبْلِ الحَرْبِ، فإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلاَّ طبُولُ لَهْوٍ لَمْ تَصِحَّ. فإنْ وَصَّى لَهُ بِقَوْسٍ وله قَوْسَانِ: نَشَّابٌ وقَوْسٌ عَرَبِيٌّ وَهُوَ قَوسُ النَّبْلِ، وقَوْسُ جُلامِقَ وَهِيَ قَوْسُ البُنْدُقِ (6) وَقَوْسِ نَدْفِ القُطْنِ انْصَرَفَت الوَصِيَّةُ إِلَى قَوْسِ النَّشَابِ والنَّبْلِ عَلَى قَوْلِ شَيْخِنَا، ثُمَّ يُعْطَى أحَدُهَا بالقُرْعَةِ أو باخْتِيَارِ الوَرَثَةِ عَلَى مَا بَيَّنّا مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ (7)