حَدَّثَنَا أَبِي ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ ، قَالَ : سَمِعْتُ ذَا النُّونِ ، يَقُولُ : " بَيْنَمَا أَنَا سَائِرٌ فِي بِلادِ الْعَرَبِ إِذَا بِرَجُلٍ عَلَى عَرِيشٍ مِنَ الْبَلُّوطِ ، وَعِنْدَهُ عَيْنُ مَاءٍ تَجْرِي فَأَقَمْتُ عَلَيْهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً أُرِيدُ أَنْ أَسْمَعَ كَلامَهُ ، فَأَشْرَفَ عَلَيَّ بِوَجْهِهِ ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : شَهِدَ قَلْبِي لِلَّهِ بِالنَّوَازِلِ ، وَكَيْفَ لا يَشْهَدُ قَلْبِي بِذَلِكَ ، وَكُلُّ أُمُورِهِمْ إِلَيْكَ ، فَحَسْبُ مَنِ اغْتَرَّ بِكَ أَنْ يَأْلَفَ قَلْبُهُ غَيْرَكَ ، هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ ، لَقَدْ خَابَ لَدَيْكَ الْمُقَصِّرُونَ ، سَيِّدِي مَا أَحْلَى ذِكْرِكَ ، أَلَيْسَ قَصَدَكَ مُؤَمِّلُوكَ فَنَالُوا مَا أَمَّلُوا ، وَجُدْتَ لَهُمْ مِنْكَ بِالزِّيَادَةِ عَلَى مَا طَلَبُوا ، فَقُلْتُ لَهُ : يَا حَبِيبِي ، إِنِّي مُقِيمٌ عَلَيْكَ مُنْذُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أُرِيدُ أَنْ أَسْمَعَ مِنْ كَلامِكَ ، فَقَالَ لِي : قَدْ رَأَيْتُكَ بِأَبْطَالٍ حِينَ أَقْبَلْتَ ، وَلَكِنْ مَا ذَهَبَ رَوْعُكَ مِنْ قَلْبِي إِلَى الآنَ ، فَقُلْتُ لَهُ : وَلِمَ ذَلِكَ ؟ وَمَا الَّذِي أَفْزَعَكَ مِنِّي ؟ فَقَالَ : بِطَالَتُكَ فِي يَوْمِ عَمَلِكَ ، وَشُغْلُكَ فِي يَوْمِ فَرَاغِكَ ، وَتَرْكُكَ الزَّادَ لِيَوْمِ مَعَادِكَ ، وَمُقَامُكَ عَلَى الْمَظْنُونِ ، فَقُلْتُ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَرِيمٌ مَا ظَنَّ بِهِ أَحَدٌ شَيْئًا إِلا أَعْطَاهُ ، فَقَالَ : إِنَّهُ كَذَلِكَ إِذَا وَافَقَهُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ وَالتَّوْفِيقُ ، فَقُلْتُ لَهُ : رَحِمَكَ اللَّهُ يَا حَبِيبِي ، مَا هَا هُنَا فِتْيَةٌ تَسْتَأْنِسُ بِهِمْ ؟ فَقَالَ : بَلَى ، هَاهُنَا فِتْيَةٌ مُتَفَرِّقُونَ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ ، قُلْتُ : فَمَا طَعَامُهُمْ فِي هَذَا الْمَكَانِ ؟ قَالَ : أَكْلُهُمُ الْفِلَقُ مِنْ خُبْزِ الْبَلُّوطِ ، وَلِبَاسُهُمُ الْخِرَقُ مِنَ الثِّيَابِ ، قَدْ يَئِسُوا مِنَ الدُّنْيَا وَيَئِسَتِ الدُّنْيَا مِنْهُمْ ، قَدْ لَصَقُوا بِمَقَامِ الأَرْضِ ، وَتَلفَّفُوا بِالْخِرَقِ ، فَلَوْ رَأَيْتَهُمْ رِجَالا إِذَا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ بِسَكَاكِينِ السَّهَرِ ، فَقُلْتُ لَهُ : يَا حَبِيبِي ، فَمَا مَعَ الْقَوْمِ دَوَاءٌ يَتَعَالَجُونَ بِهِ مِنَ الأَلَمِ ؟ قَالَ : بَلَى ، قُلْتُ : وَمَا ذَاكَ الدَّوَاءُ ؟ قَالَ : إِذَا أَكَلُوا أَضَافُوا مِنَ الْكَلالِ بِالْكَلالِ ، وَجَدُّوا بِالارْتِحَالٍ ، فَتَسْكُنُ الْعُرُوقُ وَيَهْدَأُ الأَلَمُ ، فَقُلْتُ لَهُ : يَا حَبِيبِي ، فَلا يَسِيرُونَ بِجِدٍّ ، فَقَالَ : هَذَا تَقَوُّلٌ بِأَبْطَالٍ ، إِنَّ الْقَوْمَ أَعْطَوُا الْمَجْهُودَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، فَلَمَّا دَبَرَتِ الْمَفَاصِلُ مِنَ الرُّكُوعِ ، وَقَرَحَتِ الْجِبَاهُ مِنَ السُّجُودِ ، وَتَغَيَّرَتِ الأَلْوَانُ مِنَ السَّهَرِ ضَجُّوا إِلَى اللَّهِ بِالاسْتِعَانَةِ ، فَهُمْ أَحْلافُ اجْتِهَادٍ يَهِيمُونَ فَلا تُقَرِّبُهُمُ الأَوْطَانُ ، وَلا يَسْكُنُونَ إِلَى غَيْرِ الرَّحْمَنِ ، فَقُلْتُ لَهُ : حَبِيبِي أَوْصِنِي ، فَقَالَ لِي : عَلَيْكَ بِمَعَاقَبَةِ نَفْسِكَ إِذَا دَعْتَكَ إِلَى بَلِيَّةٍ ، وَمُنَابَذَتِهَا إِذَا دَعْتَكَ إِلَى الْفَتْرَةِ ، فَإِنَّ لَهَا مَكْرًا وَخِدَاعًا ، فَإِذَا فَعَلْتَ هَذَا الْفِعْلَ أَغْنَاكَ عَنِ الْمَخْلُوقِينَ ، وَسَلاكَ عَنْ مُجَالَسَةِ الْفَاسِقِينَ " .