حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى ، حدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَذَّاءُ ، قَالَ : سَمِعْتُ هَارُونَ بْنَ عِيسَى الْبَغْدَادِيُّ ، يَقُولُ حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ زرافةَ صَاحِبِ الْمُتَوَكِّلِ ، قَالَ : لَمَّا انْصَرَفَ ذُو النُّونِ مِنْ عِنْدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، دَخَلَ عَلَيَّ لِيُوَدِّعَنِي ، فَقُلْتُ لَهُ : اكْتُبْ لِي دَعْوَةً ، فَفَعَلَ فَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ جَامَ لَوْزَيَنْجَ ، فَقُلْتُ لَهُ : كُلْ مِنْ هَذَا فَإِنَّهُ يَرْزِنُ الدِّمَاغَ ، وَيَنْفَعُ الْعَقْلَ ، فَقَالَ : " يَنْفَعُهُ غَيْرُ هَذَا " ، قُلْتُ : وَمَا يَنْفَعُهُ ، قَالَ : " اتِّبَاعُ أَمْرِ اللَّهِ وَالانْتِهَاءُ عَنْ نَهْيِهِ ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّمَا الْعَاقِلُ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللَّهِ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ " فَقُلْتُ : أَكْرِمْنِي بِأَكْلِهِ ، فَقَالَ : " أُرِيدُ غَيْرَ هَذَا " ، قُلْتُ : وَأَيَّ شَيْءٍ تُرِيدُ ؟ فَقَالَ : " هَذَا لِمَنْ لا يَعْرِفُ الْحُلْوَ وَلا يَعْرِفُ أَكْلَهُ ، وَإِنَّ أَهْلَ مَعْرِفَةِ اللَّهِ يَتَحَذَّرُونَ خِلافَ هَذَا اللَّوْزَيَنْجِ " ، قُلْتُ : لا أَظُنُّ أَحَدًا فِي الدُّنْيَا يُحْسِنُ أَنْ يَتَّخِذَ أَجْوَدَ مِنْ هَذَا ، وَإِنَّ هَذَا مِنْ مَطْبَخِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ ، فَقَالَ : " أَنَا أَصِفُ لَكَ لَوْزَيَنْجَ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ " ، قُلْتُ : هَاتِ لِلَّهِ أَبُوكَ ، قَالَ : " خُذْ لُبَابَ مَكْنُونٍ مَحْضِ طَعَامِ الْمَعْرِفَةِ ، وَاعْجِنْهُ بِمَاءِ الاجْتِهَادِ وَانْصُبْ أَثْفِيَةَ الانْكِمَادِ ، وَطَابِقْ صَفْوَ الْوِدَادِ ، ثُمَّ اخْبِزْ خُبْزَ لَوْزَيَنْجَ الْعُبَّادِ بِحَرِّ نِيرَانِ نَفْسِ الزُّهَّادِ ، وَأَوْقِدْهُ بِحَطَبِ الأَسَى حَتَّى تَرْمِيَ نِيرَانَ وُفُودِهَا بِشَرَرِ الضَّنَا ثُمَّ احْشُ ذَلِكَ بِقَيْدِ الرِّضَا وَلَوْزِ الشَّجَى مِنْ ضَوْضَانَ بِمِهْرَاسِ الْوَفَا ، مُطَيِّبًا بِطِينَةِ رِقَّةِ عِشْقِ الْهَوَى ، ثُمَّ اطْوِهِ طَيَّ الأَكْيَاسِ لَلأَيَّامِ بِالْعَرَا ، وَقَطِّعْهُ بِسَكَاكِينِ السَّهَرِ فِي جَوْفِ الدُّجَى ، وَارْفُضْ لَذِيذَ الْكَرَى وَنَضِّدْهُ عَلَى جَامَاتِ الْقَلَقِ وَالسَّهَرِ ، وَانْثُرْ عَلَيْهِ سُكَّرًا بِعَسَلٍ مِنْ زَفَرَاتِ الْحُرَقِ ثُمَّ كُلْهُ بِأَنَامِلِ التَّفْويِضِ فِي وَلائِمِ الْمُنَاجَاةِ بِوِجْدَانِ خَوَاطِرِ الْقُلُوبِ ، فَعِنْدَهُ لَكَ تَفْرِيجُ كُرَبِ الْقُلُوبِ ، وَمَحَلُّ سُرُورِ الْمُحِبِّ بِالْمَلَكِ الْمَحْبُوبِ ثُمَّ وَدَّعَنِي " .