ومن صغار الصحابة
الحسين الشهيد
إِلَى أَنْفُسِكُم؛ هَلْ يَصلُحُ لَكُم قَتْلِي, أَوْ يَحِلُّ دَمِي? أَلَسْتُ ابْنَ بِنْتِ نَبِيِّكُم، وَابْنَ ابْنِ عَمِّهِ? أَوَلَيْسَ حَمْزَةُ وَالعَبَّاسُ وَجَعْفَرٌ عُمُوْمَتِي? ألم يبلغكم قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيَّ وَفِي أَخِي: \""هَذَانِ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ\"" ? فَقَالَ شِمْرٌ: هُوَ يَعَبْدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ إِنْ كَانَ يَدْرِي مَا يَقُوْلُ، فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ كَانَ أَمرُكَ إِلَيَّ لأَجَبْتُ، وَقَالَ الحُسَيْنُ: يَا عُمَرُ! ليكوننَّ لِمَا تَرَى يَوْمٌ يَسُوؤُكَ, اللهمَّ إِنَّ أَهْلَ العِرَاقِ غَرُّوْنِي وَخَدَعُوْنِي، وَصَنَعُوا بِأَخِي مَا صَنَعُوا, اللهمَّ شَتِّتْ عَلَيْهِم أَمْرَهُم، وَأَحْصِهِمْ عَدَداً.
فَكَانَ أوَّل مَنْ قَاتَلَ مَوْلَىً لِعُبَيْدِ اللهِ بنِ زِيَادٍ، فَبَرَزَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بنُ تَمِيْمٍ الكَلْبِيُّ فَقَتَلَهُ، وَالحُسَيْنُ جَالِسٌ عَلَيْهِ جُبَّةُ خَزٍّ دَكْنَاءُ، وَالنَّبْلُ يَقعُ حَوْلَهُ، فَوَقَعَتْ نَبْلَةٌ فِي ولدٍ لَهُ ابْنُ ثَلاَثِ سِنِيْنَ، فَلَبِسَ لأْمَتَهُ وَقَاتَلَ, حَوْلَهُ أَصْحَابُهُ حَتَّى قُتِلُوا جَمِيْعاً، وَحَمَلَ وَلدُهُ عَلِيٌّ يَرْتَجِزُ:
أَنَا عَلِيُّ بنُ الحُسَيْنِ بنِ عَلِيّ ... نَحْنُ وَبَيْتِ اللهِ أَوْلَى بِالنَّبِيّ
فَجَاءتْهُ طَعنَةٌ، وَعَطِشَ حُسَيْنٌ، فَجَاءَ رَجُلٌ بِمَاءٍ فَتَنَاوَلَهُ، فَرمَاهُ حُصَيْنُ ابن تَمِيْمٍ بِسَهْمٍ، فَوَقَعَ فِي فِيْهِ، فَجَعَلَ يتلقَّى الدَّمَ بِيَدِهِ، وَيَحْمَدُ اللهَ، وتوجَّه نَحْوَ المُسَنَّاةِ يُرِيْدُ الفُرَاتَ، فَحَالُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ المَاءِ، وَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ، فَأَثبتَهُ فِي حَنَكِهِ، وَبَقِيَ عامَّة يَوْمِهِ لاَ يَقْدَمُ عَلَيْهِ أَحَدٌ حَتَّى أَحَاطَتْ بِهِ الرَّجَّالَةُ، وَهُوَ رَابطُ الجَأْشِ, يُقَاتِلُ قِتَالَ الفَارِسِ الشُّجَاعِ, إِنْ كَانَ لَيَشُدُّ عَلَيْهِم فَيَنكَشِفُوْنَ عَنْهُ انكِشَافَ المِعْزَى شَدَّ فِيْهَا الأَسَدُ, حَتَّى صَاحَ بِهِم شِمْرٌ: ثَكلتْكُم أُمَّهَاتُكُم! مَاذَا تَنْتَظرُونَ بِهِ? فَانْتَهَى إِلَيْهِ زُرْعَةُ التَّمِيْمِيُّ فَضَرَبَ كَتِفَهُ، وَضرَبَهُ الحُسَيْنُ عَلَى عَاتقِهِ فَصَرَعَهُ، وَبرَزَ سِنَانٌ النَّخَعِيُّ فَطعَنَهُ فِي ترقُوتِهِ وَفِي صَدْرِهِ فخَرَّ، ثُمَّ نَزَلَ ليحتزَّ رَأْسَهُ، وَنَزَلَ خَوْلِيٌّ الأَصْبَحِيُّ، فَاحتَزَّ رَأْسَهُ، وَأَتَى بِهِ عُبَيْدَ اللهِ بنَ زِيَادٍ، فَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئاً.
قَالَ: وَوُجِدَ بِالحُسَيْنِ ثلاث وثلاثون جراجة، وقتل من جيش عمر بن سَعْدٍ ثَمَانِيَةٌ وَثَمَانُوْنَ نَفْساً.
قَالَ: وَلَمْ يَفْلِتْ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ الحُسَيْنِ سِوَى وَلَدِهِ عَلِيٍّ الأَصْغَرِ -فَالحُسَيْنِيَّةِ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ- كَانَ مَرِيضاً، وَحَسَنُ بنُ حَسَنِ بنِ عَلِيٍّ، وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ, وَأَخُوْهُ عَمْرٌو، وَلاَ عَقِبَ لَهُ، وَالقَاسِمُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ جَعْفَرٍ، وَمُحَمَّدُ بنُ عَقِيْلٍ، فَقَدِمَ بِهِم، وَبِزَيْنَبَ، وَفَاطِمَةَ بنتَيْ عَلِيٍّ، وَفَاطِمَةَ وَسُكَيْنَةَ بِنْتَيِ الحُسَيْنِ، وَزَوْجَتِهِ الرَّبَابِ الكَلْبِيَّةِ وَالِدَةِ سُكَيْنَةَ، وَأُمِّ مُحَمَّدٍ بِنْتِ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ وَعَبِيدٍ، وَإِمَاءٍ لَهُم.
قَالَ: وَأُخِذَ ثَقَلُ الحُسَيْنِ، وَأَخَذَ رَجُلٌ حُلِيَّ فَاطِمَةَ بِنْتِ الحُسَيْنِ، وَبَكَى، فَقَالَتْ: لِمَ تَبْكِي? فَقَالَ: أَأَسْلُبُ بِنْتَ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلاَ أَبْكِي? قَالَتْ: فَدَعْهُ, قَالَ: أَخَافُ أَنْ يَأْخُذَهُ غَيْرِي.