ومن صغار الصحابة
الحسين الشهيد
وَأَقْبَلَ عُمَرُ بنُ سَعْدٍ فَقَالَ: مَا رَجَعَ رَجُلٌ إِلَى أَهْلِهِ بِشَرٍّ مِمَّا رَجَعْتُ بِهِ, أَطَعْتُ ابْنَ زِيَادٍ وَعَصَيْتُ اللهَ، وَقَطَعْتُ الرَّحِمَ، وَوَردَ البَشِيْرُ عَلَى يَزِيْدَ، فلمَّا أَخْبَرَهُ دَمَعَتْ عَيْنَاهُ، وَقَالَ: كُنْتُ أَرْضَى مِنْ طَاعَتِكُم بِدُوْنِ قَتْلِ الحُسَيْنِ. وَقَالَتْ سُكَيْنَةُ: يَا يَزِيْدُ, أَبَنَاتُ رَسُوْلِ اللهِ سَبَايَا? قَالَ: يَا بِنْتَ أَخِي, هُوَ وَاللهِ عَلَيَّ أَشدُّ مِنْهُ عَلَيْكِ, أَقْسَمْتُ لو أنَّ بَيْنَ ابْنِ زِيَادٍ وَبَيْنَ حُسَيْنٍ قَرَابَةٌ مَا أَقدَمَ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ فَرَّقَتْ بَيْنَهُ وَبينَهُ سُمَيَّةُ، فَرَحِمَ اللهُ حُسَيْناً, عَجَّلَ عَلَيْهِ ابْنُ زِيَادٍ, أَمَا وَاللهِ لَوْ كُنْتُ صَاحِبَهُ، ثُمَّ لَمْ أَقْدِرْ عَلَى دَفْعِ القَتْلِ عَنْهُ إلَّا بِنَقْصِ بَعْضِ عُمُرِي لأَحْبَبْتُ أَنْ أَدْفعَهُ عَنْهُ، وَلَوَدِدْتُ أَنْ أُتِيتُ بِهِ سلماً.
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَلِيِّ بنِ الحُسَيْنِ، فَقَالَ: أَبُوْكَ قَطَعَ رَحِمِي، وَنَازَعَنِي سُلطَانِي. فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ سِبَاءهُم لَنَا حَلاَلٌ, قَالَ عَلِيٌّ: كَذَبْتَ, إلَّا أَنْ تَخْرُجَ مِنْ مِلَّتِنَا، فَأَطْرَقَ يَزِيْدُ، وَأَمَرَ بالنساء فأدخلن على نسائه، وأمر نِسَاءَ آلِ أَبِي سُفْيَانَ فَأَقَمْنَ المَأْتَمَ عَلَى الحُسَيْنِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ...., إِلَى أَنْ قَالَ: وَبَكَتْ أُمُّ كُلْثُوْمٍ بِنْتُ عَبْدِ اللهِ بنِ عَامِرٍ، فَقَالَ يَزِيْدُ -وَهُوَ زَوْجُهَا: حُقَّ لَهَا أَنْ تُعْوِلَ عَلَى كَبِيْرِ قُرَيْشٍ وَسيِّدِهَا.
جَرِيرُ بنُ حَازِمٍ، عَنِ الزُّبَيْرِ بنِ الخِرِّيْتِ, سَمِعَ الفَرَزْدَقَ يَقُوْلُ: لَقِيتُ الحُسَيْنَ بِذَاتِ عِرْقٍ، فَقَالَ: مَا تَرَى أَهْلَ الكُوْفَةِ صَانِعِيْنَ مَعِي? فإنَّ مَعِي حِمْلاً مِنْ كُتُبِهِم, قُلْتُ: يَخذُلُوْنَكَ، فَلاَ تَذْهَبْ.
وَكَتَبَ يَزِيْدُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَذكُرُ لَهُ خُروجَ الحُسَيْنِ، وَيَقُوْلُ: نَحسِبُ أَنَّهُ جَاءهُ رِجَالٌ مِنَ المَشْرِقِ، فَمَنَّوْهُ الخِلاَفَةَ، وَعِنْدَكَ مِنْهُم خَبَرُهُ، فَإِنْ فَعلَ فَقَدْ قَطَعَ القَرَابَةَ وَالرَّحِمَ، وَأَنْتَ كَبِيْرُ أَهْلِ بَيْتِكَ وَالمَنظُورُ إِلَيْهِ، فَاكْفُفْهُ عَنِ السَّعِيِ فِي الفُرْقَةِ.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنِّيْ لأَرْجُو أَنْ لاَ يَكُوْنَ خُروجُهُ لأَمرٍ تَكرَهُ، وَلَسْتُ أدَّع النَّصيحَةَ لَهُ.
وَبَعَثَ حُسَيْنٌ إلى المدينة، فلحق به خَفَّ مِنْ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَهُم تِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً وَنِسَاءٌ وَصِبيَانُ، وَتَبِعَهُم أَخُوْهُ مُحَمَّدٌ، فَأَدْرَكَهُ بِمَكَّةَ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّ الخُرُوجَ يَوْمَهُ هَذَا لَيْسَ بِرَأْيٍ، فَأَبَى، فَمَنَعَ مُحَمَّدٌ وَلَدَهُ، فَوجَدَ عَلَيْهِ الحُسَيْنُ، وَقَالَ: تَرغَبُ بوَلَدِكَ عَنْ مَوْضِعٍ أُصَابُ فِيْهِ.
وَبَعَثَ أَهْلُ العِرَاقِ رُسُلاً وَكُتُباً إِلَيْهِ، فَسَارَ فِي آلِهِ وَفِي سِتِّيْنَ شَيْخاً مِنْ أَهْلِ الكُوْفَةِ، فِي عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ.