الطبقة الثامنة عشر
بنان الحمال
قَالَ الزُّبَيْرُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ: سَمِعْتُ بُنَاناً يَقُوْلُ: الحُرُّ عَبْدٌ مَا طَمِعَ، وَالعَبْدُ حُرٌّ مَا قَنِعَ.
وَمِنْ كَلاَمِ بُنَانَ: مَتَى يُفْلِحُ مَنْ يَسُرُّهُ مَا يَضُرُّه؟!
وَقَالَ: رُؤْيَةُ الأَسبَابِ عَلَى الدَّوَامِ قَاطِعَةٌ عَنْ مُشَاهَدَةِ المُسَبِّبِ، وَالإِعرَاضُ عَنِ الأَسبَابِ جُمْلَةً يُؤَدِّي بِصَاحِبِهِ إِلَى رُكُوْبِ البَاطِلِ.
يُرْوَى أَنَّهُ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى آخَرَ دَيْنٌ مائَةُ دِيْنَارٍ، فَطَلَبَ الرَّجُلُ الوَثِيقَةَ، فَلَمْ يَجِدْهَا، فَجَاءَ إِلَى بُنَانَ لِيَدعُو لَهُ، فَقَالَ: أَنَا رَجُلٌ قَدْ كَبِرْتُ، وَأُحِبُّ الحَلْوَاءَ، اذْهَبِ اشْتَرِ لِي مِنْ عِنْدِ دَارِ فَرَجٍ رِطْلَ حُلْوَاءَ حَتَّى أَدْعُوَ لَكَ. فَفَعَل الرَّجُلُ، وَجَاءَ، فَقَالَ بُنَانُ: افتَحْ وَرقَةَ الحُلوَاءِ. فَفَتَحَ، فَإِذَا هِيَ الوَثِيقَةُ، فَقَالَ: هِيَ وَثِيْقَتِي. قَالَ: خُذهَا، وَأَطعِمِ الحُلوَاءَ صِبْيَانَك.
قَالَ ابْنُ يُوْنُسَ: تُوُفِّيَ بُنَانُ فِي رَمَضَانَ، سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَثَلاَثِ مائَةٍ، وَخَرَجَ فِي جِنَازَتِه أَكْثَرُ أَهْلِ مِصْرَ، وَكَانَ شَيْئاً عَجَباً مِنِ ازدِحَامِ الخَلاَئِقِ.