سورة النساء
القول في تأويل قوله تعالى: فإن كان له إخوة فلأمه السدس إن قال قائل: وما المعنى الذي من أجله ذكر حكم الأبوين مع الإخوة، وترك ذكر حكمهما مع الأخ الواحد؟ قلت: اختلاف حكمهما مع الإخوة الجماعة والأخ الواحد، فكان في إبانة الله جل ثناؤه لعباده حكمهما فيما
فَرَضَ، إِذَا لَمْ يَكُنْ لِوَلَدِهَا الْمَيِّتِ وَارِثٌ غَيْرُهَا وَغَيْرُ وَالِدِهِ، لَوَائِحُ الدَّلَالَةِ الْوَاضِحَةِ لِلْخَلْقِ أَنَّ ذَلِكَ الْمَفْرُوضَ هُوَ ثُلُثُ مَالِ وَلَدِهَا الْمَيِّتِ حَقٌّ لَهَا وَاجِبٌ، حَتَّى يُغَيِّرَ ذَلِكَ الْفَرْضَ مَنْ فَرَضَ لَهَا، فَلَمَّا غَيَّرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ مَا فَرَضَ لَهَا مِنْ ذَلِكَ مَعَ الْإِخْوَةِ الْجَمَاعَةِ وَتَرَكَ تَغْيِيرَهُ مَعَ الْأَخِ الْوَاحِدِ، عُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ فَرْضَهَا غَيْرُ مُتَغَيِّرٍ عَمَّا فُرِضَ لَهَا إِلَّا فِي الْحَالِ الَّتِي غَيَّرَهُ فِيهَا مَنْ لَزِمَ الْعِبَادَ طَاعَتُهُ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْأَحْوَالِ. ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي عَدَدِ الْإِخْوَةِ الَّذِينَ عَنَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} [النساء: 11] فَقَالَ جَمَاعَةُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي كُلِّ زَمَانٍ: عَنَى اللَّهُ جَلَّ ثناؤُهُ بِقَوْلِهِ: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} [النساء: 11] اثْنَيْنِ كَانَ الْإِخْوَةُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُمَا، أُنْثَيَيْنِ كَانَتَا أَوْ كُنَّ إِنَاثًا، أَوْ ذَكَرَيْنِ كَانَا أَوْ كَانُوا ذُكُورًا، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذَكَرًا وَالْآخَرُ أُنْثَى. وَاعْتَلَّ كَثِيرٌ مِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ بِأَنَّ ذَلِكَ قَالَتْهُ الْأُمَّةُ عَنْ بَيَانِ اللَّهِ جَلَّ ثناؤُهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَقَلَتْهُ أُمَّةُ نَبِيِّهِ نَقْلًا مُسْتَفِيضًا قَطَعَ الْعُذْرَ مَجِيئُهُ، وَدَفَعَ الشَّكَّ فِيهِ عَنْ قُلُوبِ الْخَلْقِ وُرُودُهُ. وَرُوِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: بَلْ عَنَى اللَّهُ جَلَّ ثناؤُهُ بِقَوْلِهِ: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} [النساء: 11] جَمَاعَةً أَقَلُّهَا ثَلَاثَةٌ، وَكَانَ يُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ جَلَّ ثناؤُهُ حَجَبَ الْأُمَّ عَنْ ثُلُثِهَا مَعَ الْأَبِ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ إِخْوَةٍ، فَكَانَ يَقُولُ فِي أَبَوَيْنِ وَأَخَوَيْنِ: لِلْأُمِّ الثُّلُثُ وَمَا بَقِيَ فَلِلْأَبِ كَمَا قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي أَبَوَيْنِ وَأَخٍ وَاحِدٍ