سورة النساء
القول في تأويل قوله تعالى: تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: تلك حدود الله، فقال بعضهم: يعني به: تلك شروط الله
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثنا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} [البقرة: 187] يَعْنِي: «طَاعَةَ اللَّهِ، يَعْنِي الْمَوَارِيثَ الَّتِي سَمَّى اللَّهُ» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: تِلْكَ سُنَّةُ اللَّهِ وَأَمْرُهُ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: تِلْكَ فَرَائِضُ اللَّهِ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ مَا نَحْنُ مُبَيِّنُوهُ، وَهُوَ أَنَّ حَدَّ كُلِّ شَيْءٍ مَا فَصَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِحُدُودِ الدَّارِ وَحُدِودِ الْأَرَضِينَ حُدُودٌ، لِفُصُولِهَا بَيْنَ مَا جَدَّ بِهَا وَبَيْنَ غَيْرِهِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} [البقرة: 187] مَعْنَاهُ: هَذِهِ الْقِسْمَةُ الَّتِي قَسَمَهَا لَكُمْ رَبُّكُمْ، وَالْفَرَائِضُ الَّتِي فَرَضَهَا لِأَحْيَائِكُمْ مِنْ مَوْتَاكُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى مَا فَرَضَ وَبَيَّنَ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ حُدُودَ اللَّهِ، يَعْنِي فُصُولَ مَا بَيْنَ طَاعَةِ اللَّهِ وَمَعْصِيَتِهِ فِي قَسْمِكُمْ مَوَارِيثَ مَوْتَاكُمْ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَإِنَّمَا تَرَكَ طَاعَةَ اللَّهِ، وَالْمَعْنِيُّ بِذَلِكَ حُدُودُ طَاعَةِ اللَّهِ اكْتِفَاءً بِمَعْرِفَةِ الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ بِمَعْنَى الْكَلَامِ مِنْ ذِكْرِهَا. وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا [ص: 490] قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [النساء: 13] وَالْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [النساء: 14] فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا: هَذِهِ الْقِسْمَةُ الَّتِي قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْهَا رَبُّكُمْ مَوَارِيثَ مَوْتَاكُمْ، فُصُولٌ فَصَلَ بِهَا لَكُمْ بَيْنَ طَاعَتِهِ وَمَعْصِيَتِهِ، وَحُدُودٌ لَكُمْ تَنْتَهُونَ إِلَيْهَا فَلَا تَتَعَدَّوْهَا، وَفَصَلَ مِنْكُمْ أَهْلَ طَاعَتِهِ مِنْ أَهْلِ مَعْصِيَتِهِ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ مِنْ قِسْمَةِ مَوَارِيثِ مَوْتَاكُمْ بَيْنَكُمْ، وَفِيمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ مِنْهَا. ثُمَّ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَمَّا أَعَدَّ لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ، فَقَالَ لِفَرِيقِ أَهْلِ طَاعَتِهِ فِي ذَلِكَ {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولِهِ} [النساء: 13] فِي الْعَمَلِ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ وَالانْتِهَاءُ إِلَى مَا حَدَّهُ لَهُ فِي قِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ وَغَيْرِهَا، وَيَجْتَنِبُ مَا نَهَاهُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ غَيْرُهُ {يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [النساء: 13] فَقَولُهُ {يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ} [النساء: 13] يَعْنِي بَسَاتِينَ تَجْرِي مِنْ تَحْتَ غُرُوسِهَا وَأَشْجَارِهَا الْأَنْهَارُ {خَالِدِينَ فِيهَا} [النساء: 13] يَقُولُ بَاقِينَ فِيْهَا أَبَدًا لَا يَمُوتُونَ فِيْهَا وَلَا يَفْنُونَ، وَلَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا {وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [النساء: 13] يَقُولُ وَإِدْخَالُ اللَّهِ إِيَّاهُمُ الْجِنَانَ الَّتِي وَصَفَهَا علَى مَا وَصَفَ مِنْ ذَلِكَ الْفَوزُ الْعَظِيمُ يَعْنِي الْفَلَحَ الْعَظِيمَ وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ"