سورة النساء
القول في تأويل قوله تعالى: يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم يعني جل ثناؤه بقوله: يريد الله ليبين لكم حلاله وحرامه ويهديكم سنن الذين من قبلكم يقول: \" وليسددكم سنن الذين من قبلكم , يعني: سبل من قبلكم من أهل"
قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النساء: 26] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} [النساء: 26] حَلَالَهُ وَحَرَامَهُ {وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [النساء: 26] يَقُولُ: \" وَلِيُسَدِّدَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ , يَعْنِي: سُبُلَ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَأَنْبِيَائِهِ وَمَنَاهِجِهِمْ , فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ مِنْ نِكَاحِ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ , وَسَائِرِ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ فِي الْآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَيَّنَ فِيهِمَا مَا حَرُمَ مِنَ النِّسَاءِ {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 26] يَقُولُ: \"" يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يَرْجِعَ بِكُمْ إِلَى طَاعَتِهِ فِي ذَلِكَ مِمَّا كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ مَعْصِيَتِهِ فِي فِعْلِكُمْ ذَلِكَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ , وَقَبْلَ أَنْ يُوحِيَ مَا أَوْحَى إِلَى نَبِيِّهِ مِنْ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ , لِيَتَجَاوَزَ لَكُمْ بِتَوْبَتِكِمْ عَمَّا سَلَفَ مِنْكُمْ مِنْ قَبِيحِ ذَلِكَ قَبْلَ إِنَابَتِكُمْ وَتَوْبَتِكُمْ. {وَاللَّهُ عَلِيمٌ} [البقرة: 95] يَقُولُ: \"" وَاللَّهُ ذُو عِلْمٍ بِمَا يُصْلِحُ عِبَادَهُ فِي أَدْيَانِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ , وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِهِمْ , وَبِمَا يَأْتُونَ وَيَذَرُونَ مَا أَحَلَّ أَوْ حَرُمَ عَلَيْهِمْ حَافِظٌ ذَلِكَ كُلَّهُ عَلَيْهِمْ , حَكِيمٌ بِتَدْبِيرِهِ فِيهِمْ فِي تَصْرِيفِهِمْ فِيمَا صَرَفَهُمْ فِيهِ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} [النساء: 26] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: يُرِيدُ اللَّهُ هَذَا مِنْ أَجْلِ أَنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ , وَقَالَ: ذَلِكَ كَمَا قَالَ: {وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ} [الشورى: 15] بِكَسْرِ اللَّامِ , لِأَنَّ مَعْنَاهُ: أُمِرْتُ بِهَذَا مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ , وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ؛ وَقَالُوا: مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ التَّعْقِيبُ بَيْنَ كَيْ وَلَامِ كَيْ وَأَنْ , وَوَضْعُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مَوْضِعَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ أُخْتِهَا مَعَ أَرَدْتُ وَأَمَرْتُ , فَيَقُولُونَ: أَمَرْتُكَ أَنْ تَذْهَبَ وِلِتَذْهَبَ , وَأَرَدْتُ أَنْ تَذْهَبَ وَلِتَذْهَبَ , كَمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 71] وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ"