سورة النساء
القول في تأويل قوله تعالى: إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون
رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي يَمْنَعُكُمْ أَهْلُهَا مِنْ سُلْطَانِ أَهْلِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ , فَتُوَحِّدُوا اللَّهَ فِيهَا وَتَعْبُدُوهُ , وَتَتَّبِعُوا نَبِيَّهُ؟ يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} [النساء: 97] : أَيْ فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ وُصِفَتْ لَكُمْ صِفَتُهُمْ، الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفِسِهِمْ، {مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} [آل عمران: 197] ، يَقُولُ: مَصِيرُهُمْ فِي الْآخِرَةِ جَهَنَّمُ، وَهِيَ مَسْكَنُهُمْ. {وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 97] يَعْنِي: وَسَاءَتْ جَهَنَّمُ لِأَهْلِهَا الَّذِينَ صَارُوا إِلَيْهَا مَصِيرًا وَمَسْكَنًا وَمَأْوًى. ثُمَّ اسْتَثْنَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْمُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ اسْتَضْعَفَهُمُ الْمُشْرِكُونَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ، وَهُمُ الْعَجَزَةُ عَنِ الْهِجْرَةِ بِالْعُسْرَةِ وَقِلَّةِ الْحِيلَةِ وَسُوءِ الْبَصَرِ وَالْمِعْرِفَةِ بِالطَّرِيقِ مِنْ أَرْضِهِمْ أَرْضِ الشِّرْكِ إِلَى أَرْضِ الْإِسْلَامِ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ أَنْ تَكُونَ جَهَنَّمُ مَأْوَاهُمْ، لِلْعُذْرِ الَّذِي هُمْ فِيهِ، عَلَى مَا بَيَّنَهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ. وَنَصَبَ الْمُسْتَضْعَفِينَ عَلَى الْاسْتِثْنَاءِ مِنَ الْهَاءِ وَالْمِيمِ اللَّتَيِنِ فِي قَوْلِهِ: {فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} [النساء: 97] ، يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ} يَعْنِي: هَؤُلَاءِ الْمُسْتَضْعَفِينَ، يَقُولُ: لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ لِلْعُذْرِ الَّذِي هُمْ فِيهِ وَهُمْ مُؤْمِنُونَ، فَيَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِالصَّفْحِ عَنْهُمْ فِي تَرْكِهِمُ الْهِجْرَةِ، إِذْ لَمْ يَتْرُكُوهَا اخْتِيَارًا وَلَا إِيثَارًا مِنْهُمْ لِدَارِ الْكُفْرِ عَلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَكِنْ لِلْعَجْزِ الَّذِي هُمْ فِيهِ عَنِ النُّقْلَةِ عَنْهَا. {وكَانِ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} يَقُولُ: وَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ عَفُوًّا، يَعْنِي ذَا صَفْحٍ بِفَضْلِهِ عَنْ ذُنُوبِ عِبَادِةِ بِتَرْكِهِ الْعُقُوبَةَ عَلَيْهَا، غَفُورًا سَاتِرًا عَلَيْهِمْ ذُنُوبِهِمْ بِعَفْوِهِ لَهُمْ عَنْهَا.