سورة النساء
القول في تأويل قوله تعالى: ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما يعني بقوله جل ثناؤه: ولولا فضل الله عليك ورحمته ولولا أن
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا كَانَ وَجْهُ إِضْلَالِهِمْ أَنْفُسَهُمْ؟ قِيلَ: وَجْهُ إِضْلَالِهِمْ أَنْفُسَهُمْ: أَخَذُهُمْ بِهَا فِي غَيْرِ مَا أَبَاحَ اللَّهُ لَهُمُ الْأَخْذَ بِهَا فِيهِ مِنْ سُبُلِهِ , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ كَانَ تَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ فِيمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِهِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ إِلَى خَلْقِهِ بِالنَّهْيِ عَنْ أَنْ يَتَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَالْأَمْرِ بِالتَّعَاوُنِ عَلَى الْحَقِّ , فَكَانَ مِنَ الْوَاجِبِ لِلَّهِ فِيمَنْ سَعَى فِي أَمْرِ الْخَائِنِينَ الَّذِينَ وَصَفَ اللَّهُ أَمْرَهُمْ بِقَوْلِهِ: {وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} [النساء: 105] مُعَاوَنَةُ مَنْ ظَلَمُوهُ دُونَ مَنْ خَاصَمَهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَلَبِ حَقِّهِ مِنْهُمْ , فَكَانَ سَعْيُهُمْ فِي مَعُونَتِهِمْ دُونَ مَعُونَةِ مَنْ ظَلَمُوهُ , أَخْذًا مِنْهُمْ فِي غَيْرِ سَبِيلِ اللَّهِ , وَذَلِكَ هُوَ إِضْلَالُهُمْ أَنْفُسَهُمْ , الَّذِي وَصَفَهُ اللَّهُ فَقَالَ: {وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ} [النساء: 113] وَمَا يَضُرُّكَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هَمُّوا لَكَ أَنْ يُزِلُّوكَ عَنِ الْحَقِّ فِي أَمْرِ هَذَا الْخَائِنِ مِنْ قَوْمِهِ وَعَشِيرَتِهِ مِنْ شَيْءٍ , لِأَنَّ اللَّهَ مُثَبِّتُكَ وَمُسَدِّدُكَ فِي أُمُورِكَ وَمُبَيِّنٌ لَكَ أَمْرَ مَنْ سَعَوْا فِي ضَلَالِكَ عَنِ الْحَقِّ فِي أَمْرِهِ وَأَمْرِهِمْ , فَفَاضِحُهُ وَإِيَّاهُمْ. وَقَوْلُهُ: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [النساء: 113] يَقُولُ: \" وَمِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ مَعَ سَائِرِ مَا تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْكَ مِنْ نِعَمِهِ , أَنَّهُ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ , وَهُوَ الْقُرْآنُ الَّذِي فِيهِ بَيَانُ كُلِّ شَيْءٍ , وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ {وَالْحِكْمَةُ} [البقرة: 129] يَعْنِي وَأَنْزَلَ عَلَيْكَ مَعَ الْكِتَابِ الْحِكْمَةَ , وَهِيَ مَا كَانَ فِي الْكِتَابِ مُجْمَلًا ذِكْرُهُ , مِنْ حَلَالِهِ وَحَرَامِهِ , وَأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَأَحْكَامِهِ , وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ. {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} [النساء: 113] مِنْ خَبَرِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ , وَمَا كَانَ , وَمَا هُوَ كَائِنٌ قَبْلَ , ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْكَ"