سورة البقرة
القول في تأويل قوله تعالى: فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: وكيف غرق الله جل ثناؤه آل فرعون، ونجى بني إسرائيل؟
يُوقِفُهُمْ بِذَلِكَ جَلَّ ذِكْرُهُ عَلَى مَوْضِعِ حُجَجِهِ عَلَيْهِمْ، وَيُذَكِّرُهُمْ آلَاءَهُ عِنْدَ أَوَائِلِهِمْ، وَيُحَذِّرُهُمْ فِي تَكْذِيبِهِمْ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَحِلَّ بِهِمْ مَا حَلَّ بِفِرْعَوْنَ وَآلِهِ فِي تَكْذِيبِهِمْ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} [البقرة: 50] كَمَعْنَى قَوْلِ الْقَائِلِ: ضُرِبْتَ وَأَهْلُكَ يَنْظُرُونَ، فَمَا أَتَوْكَ وَلَا أَعَانُوكَ، بِمَعْنَى: وَهُمْ قَرِيبٌ بِمَرْأَى وَمَسْمَعٍ، وَكَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} [الفرقان: 45] وَلَيْسَ هُنَاكَ رُؤْيَةٌ، إِنَّمَا هُوَ عِلْمٌ. وَالَّذِي دَعَاهُ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّهُ وَجَّهَ قَوْلَهُ: {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} [البقرة: 50] أَيْ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ إِلَى غَرَقِ فِرْعَوْنَ. فَقَالَ: قَدْ كَانُوا فِي شُغْلٍ مِنْ أَنْ يَنْظُرُوا مِمَّا اكْتَنَفَهُمْ مِنَ الْبَحْرِ إِلَى فِرْعَوْنَ وَغَرَقِهِ. وَلَيْسَ التَّأْوِيلُ الَّذِي تَأَوَّلَهُ تَأْوِيلَ الْكَلَامِ، إِنَّمَا التَّأْوِيلُ: وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ إِلَى فَرْقِ اللَّهِ الْبَحْرَ لَكُمْ عَلَى مَا قَدْ وَصَفْنَا آنِفًا، وَالْتِطَامِ أَمْوَاجِ الْبَحْرِ بِآلِ فِرْعَوْنَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي صُيِّرَ لَكُمْ فِي الْبَحْرِ طَرِيقًا يَبَسًا، وَذَلِكَ كَانَ لَا شَكَّ نَظَرَ عِيَانٍ لَا نَظَرَ عِلْمٍ كَمَا ظَنَّهُ قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي حَكَيْنَا قَوْلَهُ"