سورة المائدة
القول في تأويل قوله تعالى: وجعلنا قلوبهم قاسية اختلفت القراء في قراءة ذلك , فقرأته عامة قراء أهل المدينة وبعض أهل مكة والبصرة والكوفة: قاسية بالألف , على تقدير فاعله , من قسوة القلب , من قول القائل: قسا قلبه , فهو يقسو وهو قاس , وذلك إذا غلظ واشتد
غَلِيظَةً يَابِسَةً عَنِ الْإِيمَانِ بِي وَالتَّوْفِيقِ لِطَاعَتِي , مَنْزُوعَةً مِنْهَا الرَّأْفَةُ وَالرَّحْمَةُ. وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ: \" وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَّةً. ثُمَّ اخْتَلَفَ الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي تَأْوِيلِهِ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: مَعْنَى الْقَسْوَةِ , لِأَنَّ فَعِيلَةً فِي الذَّمِّ أَبْلَغُ مِنْ فَاعِلَةٍ , فَاخْتَرْنَا قِرَاءَتَهَا قَسِيَّةً عَلَى قَاسِيَةٍ لِذَلِكَ. وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: بَلْ مَعْنَى قَسِيَّةٍ غَيْرُ مَعْنَى الْقَسْوَةِ؛ وَإِنَّمَا الْقَسِّيَّةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْقُلُوبُ الَّتِي لَمْ يَخْلُصْ إِيمَانُهَا بِاللَّهِ , وَلَكِنْ يُخَالِطُ إِيمَانُهَا كُفْرٌ كَالدَّرَاهِمِ الْقَسِّيَّةِ , وَهِيَ الَّتِي يُخَالِطُ فِضَّتَهَا غِشٌّ مِنْ نُحَاسِ أَوْ رَصَاصٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ , كَمَا قَالَ أَبُو زُبَيْدٍ الطَّائِيُّ:
[البحر البسيط]
لَهَا صَوَاهِلُ فِي صُمِّ السِّلَامِ كَمَا ... صَاحَ الْقَسِيَّاتُ فِي أَيْدِي الصَّيَارِيفِ
يَصِفُ بِذَلِكَ وَقْعَ مَسَاحِي الَّذِينَ حَفَرُوا قَبْرَ عُثْمَانَ عَلَى الصُّخُورِ , وَهِيَ السِّلَامُ. وَأَعْجَبُ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: «وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَّةً» عَلَى فَعِيلَةٍ , لِأَنَّهَا أَبْلَغُ فِي ذَمِّ الْقَوْمِ مِنْ قَاسِيَةٍ \"""