سورة المائدة
القول في تأويل قوله تعالى: فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين وهذا أمر من الله عز ذكره نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بالعفو عن هؤلاء القوم الذين هموا أن يبسطوا أيديهم إليه من اليهود , يقول الله جل وعز له: اعف يا محمد عن هؤلاء اليهود الذين هموا بما
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ , قَالَ: ثنا هَمَّامٌ , عَنْ قَتَادَةَ: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 13] وَلَمْ يُؤْمَرْ يَوْمَئِذٍ بِقِتَالِهِمْ , فَأَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَيَصْفَحَ , ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ فِي بَرَاءَةَ فَقَالَ: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] وَهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ. فَأَمَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا , أَوْ يُقِرُّوا بِالْجِزْيَةِ \" حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ , قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ أَبِي [ص: 256] عَرُوبَةَ , عَنْ قَتَادَةَ نَحْوَهُ. وَالَّذِي قَالَهُ قَتَادَةُ غَيْرُ مَدْفُوعٍ إِمْكَانُهُ , غَيْرَ أَنَّ النَّاسِخَ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ مِنَ الْأَمْرِ , هُوَ مَا كَانَ نَافِيًا كُلَّ مَعَانِي خِلَافِهِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ. فَأَمَّا مَا كَانَ غَيْرَ نَافٍ جَمِيعَهُ , فَلَا سَبِيلَ إِلَى الْعِلْمِ بِأَنَّهُ نَاسِخٌ إِلَّا بِخَبَرِ مِنَ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ , أَوْ مِنْ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} [التوبة: 29] دَلَالَةٌ عَلَى الْأَمْرِ بِنَفْيِ مَعَانِي الصَّفْحِ وَالْعَفْوِ عَنِ الْيَهُودِ. وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ جَائِزًا مَعَ إِقْرَارِهِمْ بِالصَّغَارِ وَأَدَائِهِمُ الْجِزْيَةَ بَعْدَ الْقِتَالِ , الْأَمْرُ بِالْعَفْوِ عَنْهُمْ فِي غَدْرَةٍ هَمُّوا بِهَا أَوْ نَكْثَةٍ عَزَمُوا عَلَيْهَا , مَا لَمْ يَنْصُبُوا حَرْبًا دُونَ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ , وَيَمْتَنِعُوا مِنَ الْأَحْكَامِ اللَّازِمَةِ مِنْهُمْ , لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا أَنْ يَحْكُمَ لِقَوْلِهِ: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} [التوبة: 29] الْآيَةُ , بِأَنَّهُ نَاسِخٌ قَوْلَهُ: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 13]"