سورة المائدة
القول في تأويل قوله تعالى: وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين يعني تعالى ذكره: وكيف يحكمك هؤلاء اليهود يا محمد بينهم , فيرضون بك حكما بينهم , وعندهم التوراة التي أنزلتها على موسى , التي يقرون بها أنها حق
وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ خِطَابًا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنَّهُ تَقْرِيعٌ مِنْهُ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ , يَقُولُ لَهُمْ تَعَالَى: كَيْفَ تُقِرُّونَ أَيُّهَا الْيَهُودُ بِحُكْمِ نَبِيِّي مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ جُحُودِ نُبُوَّتِهِ وَتَكْذِيبِكُمْ إِيَّاهُ , وَأَنْتُمْ تَتْرُكُونَ حُكْمِي الَّذِي تُقِرُّونَ بِهِ أَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْكُمْ وَاجِبٌ جَاءَكُمْ بِهِ مُوسَى مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟ يَقُولُ: فَإِذَا كُنْتُمْ تَتْرُكُونَ حُكْمِي الَّذِي جَاءَكُمْ بِهِ مُوسَى , الَّذِي تُقِرُّونَ بِنُبُوَّتِهِ فِي كِتَابِي , فَأَنْتُمْ بِتَرْكِ حُكْمِي الَّذِي يُخْبِرُكُمْ بِهِ نَبِيِّي مُحَمَّدٌ أَنَّهُ حُكْمِي أَحْرَى , مَعَ جُحُودِكُمْ نُبُوَّتَهُ {وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} [المائدة: 43] ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ حَالِ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عِنْدَهُ , وَحَالِ نُظَرَائِهِمْ مِنَ الْجَائِرِينَ عَنْ حُكْمِهِ الزَّائِلِينَ عَنْ مَحَجَّةِ الْحَقِّ: {وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} [المائدة: 43] يَقُولُ: \" لَيْسَ مَنْ فَعَلَ هَذَا الْفِعْلَ: أَيْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ حُكْمِ اللَّهِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ فِي كِتَابِهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ فِي خَلْقِهِ بِالَّذِي صَدَّقَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَقَرَّ بِتَوْحِيدِهِ وَنُبُوَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ فِعْلِ أَهْلِ الْإِيمَانِ. وَأَصْلُ التَّوَلِّي عَنِ الشَّيْءِ: الِانْصِرَافُ عَنْهُ؛ كَمَا:"