حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا هَارُونُ , عَنْ عَنبَسَةَ , عَنْ جَابِرٍ , عَنْ عَامِرٍ , عَنْ مَسْرُوقٍ: أَنَّهُ كَانَ يُحَلِّفُ الْيَهُودِيَّ وَالنَّصْرَانِيَّ بِاللَّهِ؛ ثُمَّ قَرَأَ: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 49] وَأَنْزَلَ اللَّهُ: {أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [الأنعام: 151] \""|
|14348||سورة المائدة||القول في تأويل قوله تعالى: لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا يقول تعالى ذكره: لكل قوم منكم جعلنا شرعة. والشرعة: هي الشريعة بعينها , تجمع الشرعة شراعا , والشريعة شرائع , ولو جمعت الشرعة شرائع كان صوابا , لأن معناها ومعنى الشريعة واحد , فيردها عند الجمع إلى|
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لِكُلِّ قَوْمٍ مِنْكُمْ جَعَلْنَا شِرْعَةً. وَالشِّرْعَةُ: هِيَ الشَّرِيعَةُ بِعَيْنِهَا , تُجْمَعُ الشِّرْعَةُ شِرَاعًا , وَالشَّرِيعَةُ شَرَائِعَ , وَلَوْ جُمِعَتِ الشِّرْعَةُ شَرَائِعَ كَانَ صَوَابًا , لِأَنَّ مَعْنَاهَا وَمَعْنَى الشَّرِيعَةِ وَاحِدٌ , فَيَرُدُّهَا عِنْدَ الْجَمْعِ إِلَى لَفْظِ نَظِيرِهَا. وَكُلُّ مَا شَرَعْتَ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ شَرِيعَةٌ , وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِشَرِيعَةِ الْمَاءِ: شَرِيعَةٌ , لِأَنَّهُ يُشْرَعُ مِنْهَا إِلَى الْمَاءِ , وَمِنْهُ سُمِّيَتْ شَرَائِعُ الْإِسْلَامِ شَرَائِعَ , لِشُرُوعِ أَهْلِهِ فِيهِ , وَمِنْهُ قِيلَ لِلْقَوْمِ إِذَا تَسَاوَوْا فِي الشَّيْءِ: هُمْ شُرُعٌ سَوَاءٌ. وَأَمَّا الْمِنْهَاجُ , فَإِنَّ أَصْلَهُ: الطَّرِيقُ الْبَيِّنُ الْوَاضِحُ , يُقَالَ مِنْهُ: هُوَ طَرِيقٌ نَهْجٌ وَمَنْهَجٌ بَيِّنٌ , كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ:
[البحر الرجز]
مَنْ يَكُ فِي شَكٍّ فَهَذَا فَلْجُ
... مَاءٌ رُوَاءٌ وَطَرِيقٌ نَهْجُ
ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ فِي كُلِّ شَيْءٍ كَانَ بَيِّنًا وَاضِحًا يُعْمَلُ بِهِ. ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّ بِقَوْلِهِ: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ} [المائدة: 48] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِذَلِكَ أَهْلَ الْمِلَلِ الْمُخْتَلِفَةِ , أَيْ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِكُلِّ مِلَّةٍ شَرِيعَةً وَمِنْهَاجًا"