سورة المائدة
القول في تأويل قوله تعالى: فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون يقول تعالى ذكره: فبادروا أيها الناس , إلى الصالحات من الأعمال والقرب إلى ربكم بإدمان العمل بما في كتابكم الذي أنزله إلى نبيكم , فإنه إنما أنزله امتحانا لكم
بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [المائدة: 48] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَبَادِرُوا أَيُّهَا النَّاسُ , إِلَى الصَّالِحَاتِ مِنَ الْأَعْمَالِ وَالْقُرَبِ إِلَى رَبِّكُمْ بِإِدْمَانِ الْعَمَلِ بِمَا فِي كِتَابِكُمُ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَى نَبِيِّكُمْ , فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَنْزَلَهُ امْتِحَانًا لَكُمْ وَابْتِلَاءً , لِيَتَبَيَّنَ الْمُحْسِنَ مِنْكُمْ مِنَ الْمُسِيءِ , فَيُجَازِي جَمِيعَكُمْ عَلَى عَمَلِهِ جَزَاءَهُ عِنْدَ مَصِيرِكُمْ إِلَيْهِ , فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا , فَيُخْبِرُ كُلَّ فَرِيقٍ مِنْكُمْ بِمَا كَانَ يُخَالِفُ فِيهِ الْفِرَقَ الْأُخْرَى , فَيَفْصِلُ بَيْنَهُمْ بِفَصْلِ الْقَضَاءِ , وَيُبَيِّنُ الْمُحِقَّ بِمُجَازَاتِهِ إِيَّاهُ بِجَنَاتِهِ مِنَ الْمُسِيءِ بِعِقَابِهِ إِيَّاهُ بِالنَّارِ , فَيَتَبَيَّنُ حِينَئِذٍ كُلُّ حِزْبٍ عِيَانًا , الْمُحِقُّ مِنْهُمْ مِنَ الْمُبْطِلِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَوَ لَمْ يُنْبِئْنَا رَبُّنَا فِي الدُّنْيَا قَبْلَ مَرْجِعِنَا إِلَيْهِ مَا نَحْنُ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ؟ قِيلَ: إِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا بِالرُّسُلِ وَالْأَدِلَّةِ وَالْحُجَجِ , دُونَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ عِيَانًا , فَمُصَدِّقٌ بِذَلِكَ وَمُكَذِّبٌ. وَأَمَّا عِنْدَ الْمَرْجِعِ إِلَيْهِ , فَإِنَّهُ يُنَبِّئُهُمْ بِذَلِكَ بِالْمُجَازَاةِ الَّتِي لَا يَشْكُونَ مَعَهَا فِي مَعْرِفَةِ الْمُحِقِّ وَالْمُبْطِلِ , وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى إِدْخَالِ اللَّبْسَ مَعَهَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ , فَكَذَلِكَ خَبَرُهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهُ يُنْبِئُنَا عِنْدَ الْمَرْجِعُ إِلَيْهِ بِمَا كُنَّا فِيهِ نَخْتَلِفُ فِي الدُّنْيَا. وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا , فَتَعْرِفُونَ الْمُحِقَّ حِينَئِذٍ مِنَ الْمُبْطِلِ مِنْكُمْ. كَمَا: