سورة المائدة
القول في تأويل قوله تعالى: كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله يقول تعالى ذكره: كلما جمع أمرهم على شيء فاستقام واستوى فأرادوا مناهضة من ناوأهم , شتته الله عليهم وأفسده , لسوء فعالهم وخبث نياتهم. كالذي:
كَانَ عَلِمَ التَّوْرَاةَ وَحَفِظَهَا فِي صَدْرِهِ , وَكَتَبَهَا لَهُمْ. فَقَامَ بِهَا ذَلِكَ الْقَرْنُ , وَلَبِثُوا وَنَسَوْا. وَمَاتَ عُزَيْرٌ , وَكَانَتْ أَحْدَاثٌ , وَنَسَوُا الْعَهْدَ , وَبَخَّلُوا رَبَّهُمْ , وَقَالُوا: {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: 64] وَقَالُوا فِي عُزَيرٍ: إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَهُ وَلَدًا. وَكَانُوا يَعِيبُونَ ذَلِكَ عَلَى النَّصَارَى فِي قَوْلِهِمْ فِي الْمَسِيحِ , فَخَالَفُوا مَا نُهُوا عَنْهُ وَعَمِلُوا بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ عَلَيْهِ. فسَبَقَ مِنَ اللَّهِ كَلِمَةٌ عِنْدَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَدُوٍّ آخَرَ الدَّهْرَ , فَقَالَ: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [المائدة: 64] فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمَجُوسَ الثَّلَاثَةَ أَرْبَابًا , فَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ وَالْمَجُوسُ عَلَى رِقَابِهِمْ وَهُمْ يَقُولُونَ: يَا لَيْتَنَا أَدْرَكْنَا هَذَا النَّبِيَّ الَّذِي نَجِدُهُ مَكْتُوبًا عِنْدَنَا , عَسَى اللَّهُ أَنْ يَفُكَّنَا بِهِ مِنَ الْمَجُوسِ وَالْعَذَابِ الْهُونِ , فَبَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَاسْمُهُ مُحَمَّدٌ , وَاسْمُهُ فِي الْإِنْجِيلِ أَحْمَدُ {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} [البقرة: 89] قَالَ: \" {فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [البقرة: 89] وَقَالَ: {فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضِبٍ} \"""