سورة المائدة
القول في تأويل قوله تعالى: أو كسوتهم يعني تعالى ذكره بذلك: فكفارة ما عقدتم من الأيمان إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم. يقول إما أن تطعموهم أو تكسوهم، والخيار في ذلك إلى المكفر. واختلف أهل التأويل في الكسوة التي عنى الله بقوله: أو كسوتهم، فقال بعضهم:
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنِ الْحَكَمِ، قَالَ: «عِمَامَةٌ يَلِفُّ بِهَا رَأْسَهُ» وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا بِالصِّحَّةِ وَأَشْبَهُهَا بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنَى بِقَوْلِهِ: {أَوْ كِسْوَتُهُمْ} [المائدة: 89] مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ كِسْوَةٍ مِمَّا يَكُونُ ثَوْبًا فَصَاعِدًا، لِأَنَّ مَا دُونَ الثَّوْبِ لَا خِلَافَ بَيْنَ جَمِيعِ الْحُجَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا دَخَلَ فِي حُكْمِ الْآيَةِ، فَكَانَ مَا دُونَ قَدْرِ ذَلِكَ خَارِجًا مِنْ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى عَنَاهُ بِالنَّقْلِ الْمُسْتَفِيضِ، وَالثَّوْبُ وَمَا فَوْقَهُ دَاخِلٌ فِي حُكْمِ الْآيَةِ، إِذْ لَمْ يَأْتِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَحْي، وَلَا مِنْ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرٌ، وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْأُمَّةِ إِجْمَاعٌ بِأَنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي حُكْمِهَا، وَغَيْرُ جَائِزٍ إِخْرَاجُ مَا كَانَ ظَاهِرُ الْآيَةِ مُحْتَمِلَهُ مِنْ حُكْمِ الْآيَةِ إِلَّا بِحُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا، وَلَا حُجَّةَ بِذَلِكَ