سورة البقرة
القول في تأويل قوله تعالى: ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: ذلك ضرب الذلة والمسكنة عليهم، وإحلاله غضبه بهم. فدل بقوله: ذلك، وهي يعني به ما وصفنا على أن قول القائل ذلك يشمل المعاني
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ} [البقرة: 61] مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ، يَقُولُ: فَعَلْنَا بِهِمْ مِنْ إِحْلَالِ الذُّلِّ وَالْمَسْكَنَةِ وَالسَّخَطِ بِهِمْ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ، كَمَا قَالَ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ:
[البحر المتقارب]
مَلِيكِيَّةٌ جَاوَرَتْ بِالْحِجَا ... زِ قَوْمًا عُدَاةً وَأَرْضًا شَطِيرَا
بِمَا قَدْ تَرَبَّعَ رَوْضُ الْقَطَا ... وَرَوْضُ التَّنَاضُبِ حَتَّى تَصِيرَا
يَعْنِي بِذَلِكَ: جَاوَرَتْ بِهَذَا الْمَكَانِ هَذِهِ الْمَرْأَةُ قَوْمًا عُدَاةً وَأَرْضًا بَعِيدَةً مِنْ أَهْلِهِ، لِمَكَانِ قُرْبِهَا كَانَ مِنْهُ وَمِنْ قَوْمِهِ وَبَلَدِهِ، مِنْ تَرَبُّعِهَا رَوْضَ الْقَطَا وَرَوْضَ التَّنَاضُبِ. فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} يَقُولُ: كَانَ ذَلِكَ مِنَّا بِكُفْرِهِمْ بِآيَاتِنَا، وَجَزَاءً لَهُمْ بِقَتْلِهِمْ أَنْبِيَاءَنَا. وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا أَنَّ مَعْنَى الْكُفْرِ: تَغْطِيَةُ الشَّيْءِ وَسَتْرُهُ، وَأَنَّ آيَاتِ اللَّهِ: حُجَجُهُ وَأَعْلَامُهُ وَأَدِلَّتُهُ عَلَى تَوْحِيدِهِ وَصِدْقِ رُسُلِهِ."