سورة البقرة
وأما قوله: ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون فإنه يعني به جل ذكره: ولا خوف عليهم فيما قدموا عليه من أهوال القيامة، ولا هم يحزنون على ما خلفوا وراءهم من الدنيا وعيشها عند معاينتهم ما أعد الله لهم من الثواب والنعيم المقيم عنده. ذكر من قال عني بقوله: من آمن
مَعَهُ فَمَرُّوا بِمُقْعَدٍ عَلَى ظَهْرِ الطَّرِيقِ مُلْقًى، فَلَمَّا رَآهُمَا نَادَى: يَا سَيِّدَ الرُّهْبَانِ ارْحَمْنِي يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَلَمْ يُكَلِّمْهُ، وَلَمْ يَنْظُرْ إِلَيْهِ، وَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ الشَّيْخُ لِسَلْمَانَ: اخْرُجْ فَاطْلُبِ الْعِلْمَ فَإِنَّهُ يَحْضُرُ هَذَا الْمَسْجِدَ عُلَمَاءُ أَهْلِ الْأَرْضِ. فَخَرَجَ سَلْمَانُ يَسْمَعُ مِنْهُمْ، فَرَجَعَ يَوْمًا حَزِينًا، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ: مَا لَكَ يَا سَلْمَانُ؟ قَالَ: أَرَى الْخَيْرَ كُلَّهُ قَدْ ذَهَبَ بِهِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَأَتْبَاعِهِمْ، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ: يَا سَلْمَانُ لَا تَحْزَنْ، فَإِنَّهُ قَدْ بَقِيَ نَبِيٌّ لَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ بِأَفْضَلَ تَبَعًا مِنْهُ وَهَذَا زَمَانَهُ الَّذِي يَخْرُجُ فِيهِ، وَلَا أُرَانِي أُدْرِكُهُ، وَأَمَّا أَنْتَ فَشَابٌّ لَعَلَّكَ أَنْ تُدْرِكَهُ، وَهُوَ يَخْرُجُ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ، فَإِنْ أَدْرَكْتَهُ فَآمِنْ بِهِ وَاتَّبِعْهُ. فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ عَلَامَتِهِ بِشَيْءٍ. قَالَ: نَعَمْ، هُوَ مَخْتُومٌ فِي ظَهْرِهِ بِخَاتَمَ النُّبُوَّةِ، وَهُوَ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ. ثُمَّ رَجَعَا حَتَّى بَلَغَا مَكَانَ الْمُقْعَدِ، فَنَادَاهُمَا فَقَالَ: يَا سَيِّدَ الرُّهْبَانِ ارْحَمْنِي يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَعَطَفَ إِلَيْهِ حِمَارَهُ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَرَفَعَهُ، فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ وَدَعَا لَهُ، وَقَالَ: قُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَقَامَ صَحِيحًا يَشْتَدُّ، فَجَعَلَ سَلْمَانُ يَتَعَجَّبُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ يَشْتَدُّ. وَسَارَ الرَّاهِبُ فَتَغَيَّبَ عَنْ سَلْمَانَ وَلَا يَعْلَمُ سَلْمَانُ. ثُمَّ إِنَّ سَلْمَانَ فَزِعَ فَطَلَبَ الرَّاهِبَ، فَلَقِيَهُ رَجُلَانِ مِنَ الْعَرَبِ مِنْ كَلْبٍ فَسَأَلَهُمَا: هَلْ رَأَيْتُمَا الرَّاهِبَ؟ فَأَنَاخَ أَحَدُهُمَا رَاحِلَتَهُ، قَالَ: نَعَمْ رَاعِي الصِّرْمَةِ هَذَا، فَحَمَلَهُ فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ. قَالَ سَلْمَانُ: فَأَصَابَنِي مِنَ الْحُزْنِ شَيْءٌ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطُّ. فَاشْتَرَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ جُهَيْنَةَ فَكَانَ يَرْعَى عَلَيْهَا هُوَ وَغُلَامٌ لَهَا يَتَرَاوَحَانِ الْغَنَمَ هَذَا يَوْمًا وَهَذَا يَوْمًا، فَكَانَ سَلْمَانُ يَجْمَعُ الدَّرَاهِمَ يَنْتَظِرُ خُرُوجَ