سورة الأنعام
القول في تأويل قوله تعالى: وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون يقول تعالى
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الأنعام: 91] يَقُولُ: «مُشْرِكُو قُرَيْشٍ» وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عُنِيَ بِقَوْلِهِ: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الأنعام: 91] مُشْرِكُو قُرَيْشٍ. وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ عَنْهُمْ أَوَّلًا، فَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَيْضًا خَبَرًا عَنْهُمْ أَشْبَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ الْيَهُودِ، وَلَمَّا يَجْرِ لَهُمْ ذِكْرٌ يَكُونُ هَذَا بِهِ مُتَّصِلًا، مَعَ مَا فِي الْخَبَرِ عَمَّنْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ إِنْكَارِهِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَنْزَلَ عَلَى بَشَرٍ شَيْئًا مِنَ الْكُتُبِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا تَدِينُ بِهِ الْيَهُودُ، بَلِ الْمَعْرُوفُ مِنْ دِينِ الْيَهُودِ الْإِقْرَارُ بِصُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، وَزَبُورِ دَاوُدَ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بِمَا رُوِيَ مِنَ الْخَبَرِ بِأَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ كَانَ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ خَبَرٌ صَحِيحٌ مُتَّصِلُ السِّنْدِ، وَلَا كَانَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ كَذَلِكَ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ إِجْمَاعٌ، وَكَانَ الْخَبَرُ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ وَمُبْتَدَئِهَا إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ، خَبَرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ عَبْدَةِ الْأَوْثَانِ، وَكَانَ قَوْلُهُ: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الأنعام: 91] مَوْصُولًا بِذَلِكَ غَيْرَ مَفْصُولٍ مِنْهُ، لَمْ يَجُزْ لَنَا أَنَّ نَدَّعِيَ أَنَّ ذَلِكَ مَصْرُوفٌ عَمَّا هُوَ بِهِ مَوْصُولٌ إِلَّا بِحُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا مِنْ خَبَرٍ أَوْ عَقْلٍ، وَلَكِنِّي أَظُنُّ أَنَّ الَّذِينَ تَأَوَّلُوا ذَلِكَ خَبَرًا عَنِ الْيَهُودِ وَجَدُوا قَوْلَهُ: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ [ص: 398] كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ} [الأنعام: 91] ، فَوَجَّهُوا تَأْوِيلَ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ لِأَهْلِ التَّوْرَاةِ، فَقَرَءُوهُ عَلَى وَجْهِ الْخِطَابِ لَهُمْ: {تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ} [الأنعام: 91] ، فَجَعَلُوا ابْتِدَاءَ الْآيَةِ خَبَرًا عَنْهُمْ، إِذْ كَانَتْ خَاتِمَتُهَا خِطَابًا لَهُمْ عِنْدَهُمْ. وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلِ وَالْقِرَاءَةِ أَشْبَهُ بِالتَّنْزِيلِ لِمَا وَصَفْتُ قَبْلُ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الأنعام: 91] فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ عَنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَعَبْدَةِ الْأَوْثَانِ، وَهُوَ بِهِ مُتَّصِلٌ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَبَرًا عَنْهُمْ. وَالْأَصْوَبُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي قَوْلِهِ: (يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا) أَنْ يَكُونَ بِالْيَاءِ لَا بِالتَّاءِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْيَهُودَ يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا، وَيَكُونُ الْخِطَابُ بِقَوْلِهِ: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ} [الأنعام: 91] لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ. وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي قَصَدَهُ مُجَاهِدٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ كَانَ يَقْرَأُ"