سورة الأعراف
القول في تأويل قوله تعالى: فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين اختلف أهل التأويل في معنى الطوفان، فقال بعضهم: هو الماء. ذكر من قال ذلك
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: \" {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ} [الأعراف: 133] قَالَ: أَمَرَ اللَّهُ الطُّوفَانَ، ثُمَّ قَالَ: {فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكِ وَهُمْ نَائِمُونَ} [القلم: 19] \"" وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، يَزْعُمُ أَنَّ الطُّوفَانَ مِنَ السَّيْلِ الْبُعَاقُ وَالدُّبَاشُ، وَهُوَ الشَّدِيدُ، وَمِنَ الْمَوْتِ الْمُتَتَابِعُ الذَّرِيعُ السَّرِيعُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ كَثْرَةُ الْمَطَرِ وَالرِّيحِ. وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّ الْكُوفِيِّينَ يَقُولُ: الطُّوفَانُ مَصْدَرٌ مِثْلُ الرُّجْحَانِ وَالنُّقْصَانِ لَا يُجْمَعُ. وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ: هُوَ جَمْعٌ، وَاحِدُهَا فِي الْقِيَاسِ: الطُّوفَانَةُ [ص: 382] وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي، مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى مَا رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو ظَبْيَانَ أَنَّهُ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ طَافَ بِهِمْ، وَأَنَّهُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: طَافَ بِهِمْ أَمْرُ اللَّهِ يَطُوفُ طَوَفَانًا، كَمَا يُقَالُ: نَقُصَ هَذَا الشَّيْءُ يَنْقُصُ نُقْصَانًا. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، جَازَ أَنْ يَكُونَ الَّذِي طَافَ بِهِمُ الْمَطَرَ الشَّدِيدَ، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْمَوْتَ الذَّرِيعَ. وَمِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْمَطَرَ الشَّدِيدَ قَدْ يُسَمَّى طُوفَانًا قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ عُرْفُطَةَ:
[البحر الرمل]
غَيَّرَ الْجِدَّةَ مِنْ آيَاتِهَا ... خُرُقُ الرِّيحِ وَطُوفَانُ الْمَطَرْ
وَيُرْوَى: خُرُقُ الرِّيحِ بِطُوفَانِ الْمَطَرْ وَقَوْلُ الرَّاعِي:
[البحر البسيط]
تُضْحِي إِذَا الْعِيسُ أَدْرَكْنَا نَكَائِثَهَا خَرْقَاءَ يَعْتَادُهَا الطُّوفَانُ وَالزُّؤُدُ وَقَوْلِ أَبِي النَّجْمِ:
[البحر الرجز]
قَدْ مَدَّ طُوفَانٌ فَبَثَّ مَدَدَا ... شَهْرًا شَآبِيبَ وَشَهْرًا بَرَدَا
[ص: 383] وَأَمَّا الْقُمَّلُ، فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ السُّوسُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الْحِنْطَةِ. ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ"