سورة البقرة
قوله: وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم في المعنى والإعراب نظير قوله: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وأما سفك الدم، فإنه صبه وإراقته. فإن قال قائل: وما معنى قوله: لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم وقال: أوكان القوم
} [البقرة: 83] وَأَمَّا سَفْكُ الدَّمِ، فَإِنَّهُ صَبُّهُ وَإِرَاقَتُهُ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: {لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ} [البقرة: 84] وَقَالَ: أَوَكَانَ الْقَوْمُ يَقْتُلُونَ أَنْفُسَهُمْ، وَيُخْرِجُونَهَا مِنْ دِيَارِهَا، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ؟ قِيلَ: لَيْسَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا ظَنَنْتَ، وَلَكِنَّهُمْ نُهُوا عَنْ أَنْ يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَكَانَ فِي قَتْلِ الرَّجُلِ مِنْهُمْ الرَّجُلَ قَتْلُ نَفْسِهِ، إِذْ كَانَتْ مِلَّتُهُمَا بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ بَيْنَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا اشْتَكَى بَعْضُهُ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ» وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: {لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ} [البقرة: 84] أَيْ لَا يَقْتُلُ الرَّجُلُ مِنْكُمُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ، فَيُقَادُ بِهِ قِصَاصًا، فَيَكُونَ بِذَلِكَ قَاتِلًا نَفْسَهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ الَّذِي سَبَّبَ لِنَفْسِهِ مَا اسْتَحَقَّتْ بِهِ الْقَتْلَ، فَأُضِيفَ بِذَلِكَ إِلَيْهِ قَتْلُ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ إِيَّاهُ قِصَاصًا بِوَلِيِّهِ، كَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ يَرْكَبُ فِعْلًا مِنَ الْأَفْعَالِ يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعُقُوبَةَ فَيُعَاقَبُ الْعُقُوبَةَ: أَنْتَ جَنَيْتَ هَذَا عَلَى نَفْسِكَ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ