سورة التوبة
القول في تأويل قوله تعالى: إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين يقول تعالى ذكره: ما النسيء إلا زيادة في الكفر، والنسيء مصدر
وَأَمَّا الصَّوَابُ مِنَ الْقُرَّاءِ فِي النَّسِيءِ، فَالْهَمْزُ، وَقِرَاءَتُهُ عَلَى تَقْدِيرِ فَعِيلٍ؛ لِأَنَّهَا الْقِرَاءَةُ الْمُسْتَفِيضَةُ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ الَّتِي لَا يَجُوزُ خِلَافَهَا فِيمَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: {يُحِلُّونَهُ عَامًا} [التوبة: 37] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: يُحِلُّ الَّذِينَ كَفَرُوا النَّسِيءَ، وَالْهَاءَ فِي قَوْلِهِ: {يُحِلُّونَهُ} [التوبة: 37] عَائِدَةٌ عَلَيْهِ. وَمَعْنَى الْكَلَامِ: يُحِلُّونَ الَّذِينَ أَخَّرُوا تَحْرِيمَهُ مِنَ الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعَةِ الْحُرُمِ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا {لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ} يَقُولُ: لِيُوَافِقُوا بِتَحْلِيلِهِمْ مَا حَلَّلُوا مِنَ الشُّهُورِ وَتَحْرِيمِهِمْ مَا حَرَّمُوا مِنْهَا، عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ {فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ} [التوبة: 37] يَقُولُ: حُسِّنَ لَهُمْ وَحُبِّبَ إِلَيْهِمْ سَيِّئُ أَعْمَالِهِمْ وَقَبِيحُهَا وَمَا خُولِفَ بِهِ أَمْرُ اللَّهِ وَطَاعِتُهُ. {وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 264] يَقُولُ: وَاللَّهُ لَا يُوَفِّقُ لِمَحَاسِنِ الْأَفْعَالِ وَحِلِّهَا وَمَا لِلَّهِ فِيهِ رِضًا، الْقَوْمَ الْجَاحِدِينَ تَوْحِيدَهُ وَالْمُنْكِرِينَ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَكِنَّهُ يَخْذِلُهُمْ عَنِ الْهُدَى كَمَا خَذَلَ هَؤُلَاءِ النَّاسِ عَنِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ