سورة هود
القول في تأويل قوله تعالى: وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط يقول تعالى ذكره: وأرسلنا إلى ولد مدين أخاهم شعيبا فلما أتاهم قال يا قوم اعبدوا الله ما
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: \" {إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} [هود: 84] قَالَ: فِي دُنْيَاكُمْ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} [البقرة: 180] سَمَّاهُ خَيْرًا لِأَنَّ النَّاسَ يُسَمُّونَ الْمَالَ خَيْرًا \"" وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ شُعَيْبٍ أَنَّهُ قَالَ لِقَوْمِهِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: {إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} [هود: 84] يَعْنِي بِخَيْرِ الدُّنْيَا. وَقَدْ يَدْخُلُ فِي [ص: 540] خَيْرِ الدُّنْيَا الْمَالُ، وَزِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَرُخْصُ السِّعْرِ، وَلَا دَلَالَةَ عَلَى أَنَّهُ عَنَى بِقِيلِهِ ذَلِكَ بَعْضَ خَيْرَاتِ الدُّنْيَا دُونَ بَعْضٍ، فَذَلِكَ عَلَى كُلٍّ مَعَانِي خَيْرَاتِ الدُّنْيَا الَّتِي ذَكَرَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّهُمْ كَانُوا أُوتُوهَا. وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ شُعَيْبٌ، لِأَنَّ قَوْمَهُ كَانُوا فِي سَعَةٍ مِنْ عَيْشِهِمْ، وَرُخْصٍ مِنْ أَسْعَارِهِمْ، كَثِيرَةٌ أَمْوَالِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: لَا تُنْقِصُوا النَّاسَ حُقُوقَهُمْ فِي مَكَايِيلِكُمْ وَمَوَازِينِكُمْ، فَقَدْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ رِزْقَكُمْ. {وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ} [هود: 84] بِمُخَالَفَتِكُمْ أَمْرَ اللَّهِ وَبَخْسِكُمُ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ فِي مِكَايِيلِكُمْ وَمَوَازِينِكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ، يَقُولُ: أَنْ يَنْزِلَ بِكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ مُحِيطٍ بِكُمْ عَذَابُهُ. فَجَعَلَ الْمُحِيطَ نَعْتًا لِلْيَوْمِ، وَهُوَ مِنْ نَعْتِ الْعَذَابِ، إِذْ كَانَ مَفْهُومًا مَعْنَاهُ، وَكَانَ الْعَذَابُ فِي الْيَوْمِ، فَصَارَ كَقَوْلِهِمْ جُبَّتُكَ مُحْتَرِقَةٌ"