سورة البقرة
القول في تأويل قوله تعالى: فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه قال أبو جعفر: وقوله جل ثناؤه: فيتعلمون منهما خبر مبتدأ عن المتعلمين من الملكين ما أنزل عليهما، وليس بجواب لقوله: وما يعلمان من أحد بل هو خبر مستأنف؛ ولذلك رفع، فقيل: فيتعلمون
وَمَا الَّتِي مَعَ يُفَرِّقُونَ بِمَعْنَى الَّذِي. وَقِيلَ مَعْنَى ذَلِكَ: السِّحْرُ الَّذِي يُفَرِّقُونَ بِهِ، وَقِيلَ: هُوَ مَعْنًى غَيْرُ السِّحْرِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَهُمْ فِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ. وَأَمَّا الْمَرْءُ فَإِنَّهُ بِمَعْنَى رَجُلٍ مِنْ أَسْمَاءِ بَنِي آدَمَ، وَالْأُنْثَى مِنْهُ الْمَرْأَةُ؛ يُوَحَّدَ وَيُثَنَّى، وَلَا تُجْمَعُ ثَلَاثَتُهُ عَلَى صُورَتِهِ، يُقَالُ مِنْهُ: هَذَا امْرُؤٌ صَالِحٌ، وَهَذَانِ امْرَآنِ صَالِحَانِ، وَلَا يُقَالُ: هَؤُلَاءِ امْرُؤُ صِدْقٍ، وَلَكِنْ يُقَالُ: هَؤُلَاءِ رِجَالُ صِدْقٍ، وَقَوْمُ صِدْقٍ. وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ تُوَحَّدُ وَتَثَنَّى وَلَا تُجْمَعُ عَلَى صُورَتِهَا، يُقَالُ: هَذِهِ امْرَأَةٌ وَهَاتَانِ امْرَأَتَانِ، وَلَا يُقَالُ: هَؤُلَاءِ امْرَآتٌ، وَلَكِنْ هَؤُلَاءِ نِسْوَةٌ. وَأَمَّا الزَّوْجُ، فَإِنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ يَقُولُونَ لِامْرَأَةِ الرَّجُلِ: هِيَ زَوْجُهُ، بِمَنْزِلَةِ الزَّوْجِ الذَّكَرِ؛ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} [الأحزاب: 37] وَتَمِيمٌ وَكَثِيرٌ مِنْ قَيْسٍ وَأَهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ: هِيَ زَوْجَتُهُ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الطويل]
وَإِنَّ الَّذِي يَمْشِي يُحَرِّشُ زَوْجَتِي ... كَمَاشٍ إِلَى أُسْدِ الشَّرَى يَسْتَبِيلُهَا"