سورة الرعد
القول في تأويل قوله تعالى: مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار، أكلها دائم وظلها، تلك عقبى الذين اتقوا، وعقبى الكافرين النار اختلف أهل العلم بكلام العرب في رافع \" المثل \""، فقال بعض نحويي الكوفيين الرافع للمثل قوله: تجري من تحتها"
قَالَ: وَوَجْهٌ آخَرَ: كَأَنَّهُ إِذَا قِيلَ: مَثَلُ الْجَنَّةِ قِيلَ: الْجَنَّةُ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ، قَالَ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [النمل: 30] كَأَنَّهُ قَالَ: بِاللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ: وَقَوْلُهُ: {عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} [الزمر: 56] فِي ذَاتِ اللَّهِ، كَأَنَّهُ عِنْدَنَا قِيلَ: فِي اللَّهِ، قَالَ: وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] إِنَّمَا الْمَعْنَى: لَيْسَ كَشَيْءٍ، وَلَيْسَ مِثْلَهُ شَيْءٌ، لِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ، قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا كَقَوْلِكَ لِلرَّجُلِ: لَيْسَ كَمِثْلِكَ أَحَدٌ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ، وَاللَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَيْهِ. قَالَ: وَمِثْلُهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:
[البحر الطويل]
إِلَى الْحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْكُمَا
قَالَ: وَفَسَّرَ لَنَا أَنَّهُ أَرَادَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمَا؛ قَالَ أَوْسُ بْنُ حَجَرٍ:
[البحر المتقارب]
وَقَتْلَى كِرَامٍ كَمِثْلِ الْجُذُوعِ ... تَغَشَّاهُمُ سَبَلٌ مُنْهَمِرْ
قَالَ: وَالْمَعْنَى عِنْدَنَا: كَالْجُذُوعِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَزِدْ أَنْ يَجْعَلَ لِلْجُذُوعِ مِثْلًا ثُمَّ يُشَبِّهُ الْقَتْلَى بِهِ قَالَ: وَمِثْلُهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ:
[البحر الكامل]
زُحَلٌ وَثَوْرٌ تَحْتَ رِجْلِ يَمِينِهِ ... وَالنَّسْرُ لِلْأُخْرَى وَلَيْثٌ مُرْصَدُ"