سورة البقرة
القول في تأويل قوله تعالى: فقد ضل سواء السبيل أما قوله: فقد ضل فإنه يعني به ذهب وحاد. وأصل الضلال عن الشيء: الذهاب عنه والحيد. ثم يستعمل في الشيء الهالك والشيء الذي لا يؤبه له كقولهم للرجل الخامل الذي لا ذكر له ولا نباهة: ضل بن ضل، وقل بن قل كقول
لَهُ كَقَوْلِهِمْ لِلرَّجُلِ الْخَامِلِ الَّذِي لَا ذِكْرَ لَهُ وَلَا نَبَاهَةَ: ضَلُّ بْنُ ضَلٍّ، وَقُلُّ بْنُ قُلٍّ كَقَوْلِ الْأَخْطَلِ فِي الشَّيْءِ الْهَالِكِ:
[البحر الكامل]
كُنْتَ الْقَذَى فِي مَوْجِ أكدَرَ مُزْبِدٍ ... قَذَفَ الْأَتِيُّ بِهِ فَضَلَّ ضَلَالَا
يَعْنِي: هَلَكَ فَذَهَبَ. وَالَّذِي عَنَى اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} [البقرة: 108] فَقَدْ ذَهَبَ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ وَحَادَ عَنْهُ. وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {سَوَاءَ السَّبِيلِ} [البقرة: 108] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالسَّوَاءِ: الْقَصْدُ وَالْمَنْهَجُ، وَأَصْلُ السَّوَاءِ: الْوَسَطُ؛ ذُكِرَ عَنْ عِيسَى بْنِ عُمَرَ النَّحْوِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «مَا زِلْتُ أَكْتُبُ حَتَّى انْقَطَعَ سَوَائِي» ، يَعْنِي وَسَطِي. وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
[البحر الكامل]
يَا وَيْحَ أَنْصَارِ النَّبِيِّ وَنَسْلِهِ ... بَعْدَ الْمُغَيَّبِ فِي سَوَاءِ الْمُلْحَدِ
يَعْنِي بِالسَّوَاءِ الْوَسَطَ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: هُوَ فِي سَوَاءِ السَّبِيلِ، يَعْنِي فِي مُسْتَوَى السَّبِيلِ. وَسَوَاءُ الْأَرْضِ مُسْتَوَاهَا عِنْدَهُمْ، وَأَمَّا السَّبِيلُ فَإِنَّهَا الطَّرِيقُ الْمَسْبُولُ، صُرِفَ مِنْ مَسْبُولٍ إِلَى سَبِيلٍ."