سورة النحل
القول في تأويل قوله تعالى: والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة، ويخلق ما لا تعلمون يقول تعالى ذكره: وخلق الخيل والبغال والحمير لكم أيضا لتركبوها وزينة يقول: وجعلها لكم زينة تتزينون بها مع المنافع التي فيها لكم، للركوب وغير ذلك، ونصب الخيل والبغال
كَانَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {لِتَرْكَبُوهَا} [النحل: 8] دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهَا لَا تَصْلُحُ إِذْ كَانَتْ لِلرُّكُوبِ لِلْأَكْلِ لَكَانَ فِي قَوْلِهِ: {فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [النحل: 5] دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهَا لَا تَصْلُحُ إِذْ كَانَتْ لِلْأَكْلِ وَالدِّفْءِ لِلرُّكُوبِ، وَفِي إِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ رُكُوبَ مَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [النحل: 5] جَائِزٌ حَلَالٌ غَيْرُ حَرَامٍ، دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ أَكْلَ مَا قَالَ: {لِتَرْكَبُوهَا} [النحل: 8] جَائِزٌ حَلَالٌ غَيْرُ حَرَامٍ، إِلَّا بِمَا نُصَّ عَلَى تَحْرِيمِهِ أَوْ وُضِعَ عَلَى تَحْرِيمِهِ دَلَالَةٌ مِنْ كِتَابٍ أَوْ وَحْيٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَّا بِهَذِهِ الْآيَةِ فَلَا يَحْرُمُ أَكْلُ شَيْءٍ، وَقَدْ وَضَعَ الدَّلَالَةَ عَلَى تَحْرِيمِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ بِوَحْيِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلَى الْبِغَالِ بِمَا قَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِنَا كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْمَوْضِعُ مِنْ مَوَاضِعِ الْبَيَانِ عَنْ تَحْرِيمِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا مَا ذَكَرْنَا لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِقَوْلِ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى تَحْرِيمِ لَحْمِ الْفَرَسِ