سورة النحل
القول في تأويل قوله تعالى: وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين يقول تعالى ذكره: وقيل للفريق الآخر الذين هم أهل إيمان وتقوى لله: ماذا أنزل ربكم، قالوا خيرا يقول: قالوا: أنزل
الْمُتَّقِينَ} [النحل: 30] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقِيلَ لِلْفَرِيقِ الْآخَرِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ إِيمَانٍ وَتَقْوَى للَّهِ: {مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ، قَالُوا خَيْرًا} [النحل: 30] يَقُولُ: قَالُوا: أَنْزَلَ خَيْرًا، وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنَ الْكُوفِيِّينَ يَقُولُ: إِنَّمَا اخْتَلَفَ الْإِعْرَابُ فِي قَوْلِهِ: {قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [النحل: 24] وَقَوْلُهُ: {خَيْرًا} [البقرة: 158] وَالْمَسْأَلَةُ قَبْلَ الْجَوَابَيْنِ كِلَيْهِمَا وَاحِدَةٌ، وَهِيَ قَوْلُهُ: {مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ} [النحل: 24] لِأَنَّ الْكُفَّارَ جَحَدُوا التَّنْزِيلَ، فَقَالُوا حِينَ سَمِعُوهُ: أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، أَيْ هَذَا الَّذِي جِئْتَ بِهِ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ وَلَمْ يُنَزِّلِ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَصَدَّقُوا التَّنْزِيلَ، فَقَالُوا: خَيْرًا، بِمَعْنَى أَنَّهُ أَنْزَلَ خَيْرًا، فَانْتَصَبَ بِوُقُوعِ الْفِعْلِ مِنَ اللَّهِ عَلَى الْخَيْرِ، فَلِهَذَا افْتَرَقَا، ثُمَّ ابْتَدَأَ الْخَبَرُ، فَقَالَ: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً} [النحل: 30] وَقَدْ بَيَّنَّا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ