سورة النحل
وقوله: وهم داخرون يعني: وهم صاغرون يقال منه: دخر فلان لله يدخر دخرا ودخورا: إذا ذل له وخضع، ومنه قول ذي الرمة: فلم يبق إلا داخر في مخيس ومنجحر في غير أرضك في جحر وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: \" {وَهُمْ دَاخِرُونَ} [النحل: 48] أَيْ صَاغِرُونَ \"". حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، مِثْلَهُ. وَأَمَّا تَوْحِيدُ الْيَمِينِ فِي قَوْلِهِ: {عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ} [النحل: 48] فَجَمَعَهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا جَاءَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ [ص: 244] ظِلَالُ مَا خَلَقَ مِنْ شَيْءٍ عَنْ يَمِينِهِ: أَيْ مَا خَلَقَ، وَشَمَائِلِهِ، فَلَفْظُ «مَا» لَفْظٌ وَاحِدٌ، وَمَعْنَاهُ مَعْنَى الْجَمْعِ، فَقَالَ: «عَنْ الْيَمِينِ» بِمَعْنَى: عَنْ يَمِينِ مَا خَلَقَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَعْنَاهُ فِي الشَّمَائِلِ، وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَقُولُ: إِنَّمَا تَفْعَلُ الْعَرَبُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْكَلَامِ مُوَاجَهَةُ الْوَاحِدِ الْوَاحِدَ، فَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: خُذْ عَنْ يَمِينِكَ، قَالَ: فَكَأَنَّهُ إِذَا وَحَّدَ ذَهَبَ إِلَى وَاحِدٍ مِنَ الْقَوْمِ، وَإِذَا جَمَعَ فَهُوَ الَّذِي لَا مُسَاءَلَةَ فِيهِ، وَاسْتَشْهَدَ لِفِعْلِ الْعَرَبِ ذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
[البحر الطويل]
بِفِي الشَّامِتِينَ الصَّخْرُ إِنْ كَانَ هَدَّنِي ... رَزِيَّةُ شِبْلَى مُخْدِرٍ فِي الضَّرَاغِمِ
فَقَالَ: «بِفِيِّ الشَّامِتِينَ» ، وَلَمْ يَقُلْ: \"" بِأَفْوَاهِ، وَقَوْلُ الْآخَرِ:
[البحر البسيط]
الْوَارِدُونَ وَتَيْمٌ فِي ذَرَا سَبَإٍ ... قَدْ عَضَّ أَعْنَاقَهُمْ جِلْدُ الْجَوَامِيسِ
وَلَمْ يَقُلْ: جُلُودُ"