سورة النحل
وقوله: وأنهم مفرطون يقول تعالى ذكره: وأنهم مخلفون متروكون في النار، منسيون فيها. واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال أكثرهم بنحو ما قلنا في ذلك
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ أَشْعَثَ السَّمَّانِ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدٍ: {وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ} [النحل: 62] قَالَ: «مُخْسَئُونَ مُبْعَدُونَ» وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ الْقَوْلُ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِفْرَاطَ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى التَّقْدِيمِ، إِنَّمَا يُقَالُ فِيمَنْ قَدِمَ مَقْدَمًا لِإِصْلَاحِ مَا يَقْدَمُ إِلَيْهِ إِلَى وَقْتِ وُرُودِ مَنْ قَدَّمَهُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ بِمُقَدَّمِ مِنْ قُدِّمَ إِلَى النَّارِ مِنْ أَهْلِهَا لِإِصْلَاحِ شَيْءٍ فِيهَا لِوَارِدٍ يَرِدُ عَلَيْهَا فِيهَا فَيُوَافِقُهُ مُصْلِحًا، وَإِنَّمَا تَقَدَّمَ مِنْ قُدِّمَ إِلَيْهَا لِعَذَابٍ يُعَجَّلُ لَهُ، فَإِذَا كَانَ مَعْنَى ذَلِكَ الْإِفْرَاطُ الَّذِي هُوَ تَأْوِيلُ التَّعْجِيلِ فَفَسَدَ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَجْهٌ فِي الصِّحَّةِ، صَحَّ الْمَعْنَى الْآخَرُ وَهُوَ الْإِفْرَاطُ الَّذِي بِمَعْنَى التَّخْلِيفِ وَالتَّرْكِ، وَذَلِكَ أَنْ يُحْكَى عَنِ الْعَرَبِ: مَا أَفْرَطْتُ وَرَائِي أَحَدًا: أَيْ مَا خَلَّفْتُهُ، وَمَا فَرَّطْتُهُ: أَيْ لَمْ أُخَلِّفُهُ.