سورة النحل
وقوله: وأنهم مفرطون يقول تعالى ذكره: وأنهم مخلفون متروكون في النار، منسيون فيها. واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال أكثرهم بنحو ما قلنا في ذلك
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمِصْرَيْنِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ: {وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ} [النحل: 62] بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا، عَلَى مَعْنَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، مِنْ أَفْرَطَ فَهُوَ مُفْرِطٌ، وَقَدْ بَيَّنْتُ اخْتِلَافَ قِرَاءَةِ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي التَّأْوِيلِ، وَقَرَأَهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْقَارِئُ: (وَأَنَّهُم مُفَرِّطُونَ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِهَا، بِتَأْوِيلِ: أَنَّهُمْ مُفَرِّطُونَ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبِ الَّذِي كَانَ للَّهِ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا، مِنْ طَاعَتِهِ وَحُقُوقِهِ، مُضَيِّعُو ذَلِكَ، مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} . وَقَرَأَ نَافِعُ بْنُ أَبِي نُعَيْمٍ: (وَأَنَّهُمْ مُفْرِطُونَ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِهَا. حَدَّثَنِي بِذَلِكَ يُونُسُ، عَنْ وَرْشٍ، عَنْهُ. بِتَأْوِيلِ: أَنَّهُمْ مُفْرِطُونَ فِي الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي، مُسْرِفُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مُكْثِرُونَ مِنْهَا، مِنْ قَوْلِهِمْ: أَفْرَطَ فُلَانٌ فِي الْقَوْلِ: إِذَا تَجَاوَزَ حَدَّهُ، وَأَسْرَفَ فِيهِ. وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى الْقِرَاءَاتِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ الَّذِينَ ذَكَرْنَا قِرَاءَتَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ لِمُوَافَقَتِهَا تَأْوِيلَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَا قَبْلُ، وَخُرُوجُ الْقِرَاءَاتِ الْأُخْرَى عَنْ تَأْوِيلِهِمْ