سورة البقرة
القول في تأويل قوله تعالى: ولا تسأل عن أصحاب الجحيم وقال أبو جعفر: قرأت عامة القراء: ولا تسأل عن أصحاب الجحيم بضم التاء من \" تسأل \"" ورفع اللام منها على الخبر، بمعنى: يا محمد إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا، فبلغت ما أرسلت به، وإنما عليك البلاغ"
بِاللَّهِ وَجَرْاءَتَهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِ، ثُمَّ قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ بَشِيرًا مَنْ آمَنَ بِكَ وَاتَّبَعَكَ مِمَّنْ قَصَصْتُ عَلَيْكَ أَنْبَاءَهُ وَمَنْ لَمْ أَقْصُصْ عَلَيْكَ أَنْبَاءَهُ، وَنَذِيرًا مَنْ كَفَرَ بِكَ وَخَالَفَكَ، فَبَلِّغْ رِسَالَتِي، فَلَيْسَ عَلَيْكَ مِنْ أَعْمَالِ مَنْ كَفَرَ بِكَ بَعْدَ إِبْلَاغِكَ إِيَّاهُ رِسَالَتِي تَبَعَةٌ، وَلَا أَنْتَ مَسْئُولٌ عَمَّا فَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ. وَلَمْ يَجْرِ لِمَسْأَلَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبَّهُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ذِكْرٌ، فَيَكُونُ لِقَوْلِهِ: {وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} [البقرة: 119] وَجْهٌ يُوَجَّهَ إِلَيْهِ. وَإِنَّمَا الْكَلَامُ مُوَجِّهٌ مَعْنَاهُ إِلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُهُ الْمَفْهُومُ، حَتَّى تَأْتِي دَلَالَةٌ بَيِّنَةٌ تَقُومُ بِهَا الْحُجَّةُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ غَيْرُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُهُ؛ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ مُسَلِّمًا لِلْحَجَّةِ الثَّابِتَةِ بِذَلِكَ. وَلَا خَبَرَ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُهِيَ عَنْ أَنْ يَسْأَلَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ، وَلَا دَلَالَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ. وَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُ ذَلِكَ الْخَبَرِ عَلَى مَا مَضَى ذِكْرُهُ قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ وَعَمَّنْ ذُكِرَ بَعْدَهَا مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ، دُونَ النَّهْيِ عَنِ الْمَسْأَلَةِ عَنْهُمْ. فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌ أَنَّ الْخَبَرَ الَّذِي رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ صَحِيحٌ، فَإِنَّ فِي اسْتِحَالَةِ الشَّكِّ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي أَنَّ أَهْلَ الشِّرْكِ مِنْ أَهْلِ الْجَحِيمِ، وَأَنَّ أَبَوَيْهِ كَانَا مِنْهُمْ، مَا يَدْفَعُ صِحَّةَ مَا قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ إِنْ كَانَ الْخَبَرُ عَنْهُ صَحِيحًا، مَعَ أَنَّ ابْتِدَاءَ اللَّهِ الْخَبَرَ بَعْدَ قَوْلِهِ: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [البقرة: 119] بِالْوَاوِ بِقَوْلِهِ: وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ، وَتْرَكِهِ وَصْلَ ذَلِكَ بِأَوَّلِهِ بِالْفَاءِ، وَأَنْ يَكُونَ: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [البقرة: 119] ، وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ , أَوْضَحُ