سورة الإسراء
القول في تأويل قوله تعالى: واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا يقول تعالى ذكره: وكن لهما ذليلا رحمة منك بهما تطيعهما فيما أمراك به مما لم يكن لله معصية، ولا تخالفهما فيما أحبا. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا الْمُقْرِئُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَرْمَلَةَ بْنِ عِمْرَانَ، عَنْ أَبِي الْهَدَّاجِ، قَالَ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: مَا قَوْلُهُ {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [الإسراء: 24] قَالَ: أَلَمْ تَرَ إِلَى قَوْلِ الْعَبْدِ الْمُذْنِبِ لِلسَّيِّدِ الْفَظِّ الْغَلِيظِ وَالذُّلُّ بِضَمِّ الذَّالِ وَالذِّلَّةُ مَصْدَرَانِ مِنَ الذَّلِيلِ، وَذَلِكَ أَنْ يَتَذَلَّلَ، وَلَيْسَ بِذَلِيلٍ فِي الْخِلْقَةِ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: قَدْ ذَلَلْتُ لَكَ أَذِلُّ ذِلَّةً وَذُلًّا، وَذَلِكَ نَظِيرُ الْقُلِّ وَالْقِلَّةِ، إِذَا أُسْقِطَتِ الْهَاءُ ضُمَّتِ الذَّالُ مِنَ الذُّلِّ، وَالْقَافُ مِنَ الْقُلِّ، وَإِذَا أُثْبِتَتِ الْهَاءُ كُسِرَتِ الذَّالُ مِنَ الذِّلَّةِ، وَالْقَافُ مِنَ الْقِلَّةِ، لِمَا قَالَ الْأَعْشَى:
[البحر الطويل]
وَمَا كُنْتُ قُلًّا قَبْلَ ذَلِكَ أَزْيَبَا
يُرِيدُ: الْقِلَّةَ. وَأَمَّا الذِّلُّ بِكَسْرِ الذَّالِ وَإِسْقَاطِ الْهَاءِ فَإِنَّهُ مَصْدَرٌ مِنَ الذُّلُولِ مِنْ قَوْلِهِمْ: دَابَّةٌ ذَلُولٌ: بَيِّنَةُ الذُّلِّ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ لَيِّنَةً غَيْرَ صَعْبَةٍ. وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ [ص: 552] : {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا} [الملك: 15] يَجْمَعُ ذَلِكَ ذُلُلًا، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا} [النحل: 69] وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَتَأَوَّلُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَتَوَعَّرُ عَلَيْهَا مَكَانٌ سَلَكَتْهُ. وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ} [الإسراء: 24] بِضَمِّ الذَّالِ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ مِنَ الذَّلِيلِ. وَقَرَأَ ذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَاصِمٌ الْجَحْدَرِيُّ: «جَنَاحَ الذِّلِّ» بِكَسْرِ الذَّالِ"