سورة الكهف
القول في تأويل قوله تعالى: وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا يقول تعالى ذكره: وتلك القرى من عاد وثمود وأصحاب الأيكة أهلكنا أهلها لما ظلموا، فكفروا بالله وآياته وجعلنا لمهلكهم موعدا يعني ميقاتا وأجلا، حين بلغوه جاءهم عذاب فأهلكناهم به
الْمِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ، وَاسْتَدْلَالًا بِقَوْلِهِ: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ} [الكهف: 59] فَأَنْ يَكُونَ الْمَصْدَرُ مِنْ أَهْلَكْنَا، إِذْ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَهُ أَوْلَى. وَقِيلَ: أَهْلَكْنَاهُمْ، وَقَدْ قَالَ قَبْلُ: {وَتِلْكَ الْقُرَى} [الكهف: 59] لِأَنَّ الْهَلَاكَ إِنَّمَا حَل بِأَهْلِ الْقُرَى، فَعَادَ إِلَى الْمَعْنَى، وَأَجْرَى الْكَلَامَ عَلَيْهِ دُونَ اللَّفْظِ. وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: قَالَ: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا} [الكهف: 59] يَعْنِي أَهْلَهَا، كَمَا قَالَ: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] وَلَمْ يَجِيءْ بِلَفْظِ الْقُرَى، وَلَكِنْ أَجْرَى اللَّفْظَ عَلَى الْقَوْمِ، وَأَجْرَى اللَّفْظَ فِي الْقَرْيَةِ عَلَيْهَا إِلَى قَوْلِهِ {الَّتِي كُنَّا فِيهَا} [يوسف: 82] وَقَالَ: {أَهْلَكْنَاهُمْ} [الكهف: 59] وَلَمْ يَقُلْ: أَهْلَكْنَاهَا، حَمَلَهُ عَلَى الْقَوْمِ، كَمَا قَالَ: جَاءَتْ تَمِيمٌ، وَجَعَلَ الْفِعْلَ لِبَنِي تَمِيمٍ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ لِتَمِيمٍ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَقَالَ: جَاءَ تَمِيمٌ، وَهَذَا لَا يَحْسُنُ فِي نَحْوِ هَذَا، لِأَنَّهُ قَدْ أَرَادَ غَيْرَ تَمِيمٍ فِي نَحْوِ هَذَا الْمَوْضِعِ، فَجَعَلَهُ اسْمًا، وَلَمْ يَحْتَمِلْ إِذَا اعْتُلَّ أَنْ يَحْذِفَ مَا قَبْلَهُ كُلَّهُ مَعْنَى التَّاءِ مِنْ جَاءَتْ مَعَ بَنِي تَمِيمٍ، وَتَرْكَ الْفِعْلِ عَلَى مَا كَانَ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ حَذَفَ شَيْئًا قَبْلَ تَمِيمٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا جَازَ أَنْ يُقَالَ: تِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ، لِأَنَّ الْقَرْيَةَ قَامَتْ مَقَامَ الْأَهْلِ، فَجَازَ أَنْ تُرَدَّ عَلَى الْأَهْلِ مَرَّةً وَعَلَيْهَا مَرَّةً، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي تَمِيمٍ، لِأَنَّ الْقَبِيلَةَ تُعْرَفُ بِهِ وَلَيْسَ تَمِيمٌ هُوَ الْقَبِيلَةُ، وَإِنَّمَا عُرِفَتِ الْقَبِيلَةُ بِهِ، وَلَوْ كَانَتِ الْقَبِيلَةُ قَدْ سُمِّيَتْ بِالرَّجُلِ لَجَرَتْ عَلَيْهِ، كَمَا تَقُولُ: وَقَعَتْ فِي هُودٍ، تُرِيدُ فِي سُورَةِ هُودٍ وَلَيْسَ هُودٌ اسْمًا لِلسُّورَةِ وَإِنَّمَا عُرِفَتِ السُّورَةُ بِهِ، فَلَوْ سُمِّيَتِ