سورة المؤمنون
وقوله: أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا يقول تعالى ذكره: أفحسبتم أيها الأشقياء أنا إنما خلقناكم إذ خلقناكم لعبا وباطلا، وأنكم إلى ربكم بعد مماتكم لا تصيرون أحياء , فتجزون بما كنتم في الدنيا تعملون؟ وقد اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه بعض قراء المدينة
لَا تَصِيرُونَ أَحْيَاءً , فَتُجْزَوْنَ بِمَا كُنْتُمْ فِي الدُّنْيَا تَعْمَلُونَ؟ وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ: {لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115] بِضَمِّ التَّاءِ: لَا تُرَدُّونَ، وَقَالُوا: إِنَّمَا هُوَ مِنْ مَرْجِعِ الْآخِرَةِ , لَا مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى الدُّنْيَا. وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ: (لَا تَرْجِعُونَ) وَقَالُوا: سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَرْجِعُ الْآخِرَةِ وَالرُّجُوعُ إِلَى الدُّنْيَا. وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى , لِأَنَّ مَنْ رَدَّهُ اللَّهُ إِلَى الْآخِرَةِ مِنَ الدُّنْيَا بَعْدَ فَنَائِهِ فَقَدْ رَجَعَ إِلَيْهَا، وَأَنَّ مَنْ رَجَعَ إِلَيْهَا فَبِرَدِّ اللَّهِ إِيَّاهُ إِلَيْهَا رَجَعَ. وَهُمَا مَعَ ذَلِكَ قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ , قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عُلَمَاءٌ مِنَ الْقُرَّاءِ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا} [المؤمنون: 115] قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ