سورة البقرة
القول في تأويل قوله تعالى: ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون
الْمَغْرِبِ {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ} [البقرة: 177] الْآيَةَ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ قِيلَ: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} [البقرة: 177] وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْبِرَّ فِعْلٌ، وَ «مَنْ» اسْمٌ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْفِعْلُ هُوَ الْإِنْسَانُ؟ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ غَيْرُ مَا تَوَهَّمْتُهُ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: وَلَكِنَّ الْبِرَّ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَوَضَعَ «مَنْ» مَوْضِعَ الْفِعْلِ اكْتِفَاءً بِدَلَالَتِهِ وَدَلَالَةِ صِلَتِهِ الَّتِي هِيَ لَهُ صِفَةٌ مِنَ الْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ كَمَا تَفْعَلُهُ الْعَرَبُ فَتَضَعُ الْأَسْمَاءَ مَوَاضِعَ أَفْعَالِهَا الَّتِي هِيَ بِهَا مَشْهُورَةٌ، فَتَقُولُ: «الْجُودُ حَاتِمٌ وَالشَّجَاعَةُ عَنْتَرَةُ وَإِنَّمَا الْجُودُ حَاتِمٌ، وَالشَّجَاعَةُ عَنْتَرَةُ» ، وَمَعْنَاهَا: الْجُودُ جُودُ حَاتِمٍ فَتَسْتَغْنِي بِذِكْرِ حَاتِمٍ إِذْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْجُودِ مِنْ إِعَادَةِ ذِكْرِ الْجُودِ بَعْدَ الَّذِي قَدْ ذَكَرْتُهُ فَتَضَعُهُ مَوْضِعَ جُودِهِ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَى مَا حَذَفْتُهُ اسْتِغْنَاءً بِمَا ذَكَرْتَهُ عَمَّا لَمْ تَذْكُرْهُ، كَمَا قِيلَ: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} [يوسف: 82] وَالْمَعْنَى: أَهْلَ الْقَرْيَةِ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ، وَهُوَ ذُو الْخِرَقِ الطُّهَوِيُّ:
[البحر الوافر]
حَسِبْتُ بُغَامَ رَاحِلَتِي عَنَاقًا ... وَمَا هِيَ وَيْبَ غَيْرِكَ بِالْعَنَاقِ
يُرِيدُ بُغَامَ عَنَاقٍ أَوْ صَوْتَ عَنَاقٍ كَمَا يُقَالُ: حَسِبْتُ صِيَاحِي أَخَاكَ، يَعْنِي بِهِ حَسِبْتُ صِيَاحِي صِيَاحَ أَخِيكَ. وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَلَكِنَّ الْبَارَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ، فَيَكُونُ الْبِرُّ مَصْدَرًا وُضِعَ مَوْضِعَ الِاسْمِ"