سورة ص
وقوله: أولي الأيدي والأبصار ويعني بالأيدي: القوة، يقول: أهل القوة على عبادة الله وطاعته ويعني بالأبصار: أنهم أهل إبصار القلوب، يعني به: أولي العقول للحق وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم في ذلك نحوا مما قلنا فيه
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: {أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ} [ص: 45] قَالَ: \" الْأَيْدِي: الْقُوَّةُ، وَالْأَبْصَارُ: الْعُقُولُ \"" فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَمَا الْأَيْدِي مِنَ الْقُوَّةِ، وَالْأَيْدِي إِنَّمَا هِيَ جَمْعُ يَدٍ، وَالْيَدُ جَارِحَةٌ، وَمَا الْعُقُولُ مِنَ الْأَبْصَارِ، وَإِنَّمَا الْأَبْصَارُ جَمْعُ بَصَرٍ؟ قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ مَثَلٌ، وَذَلِكَ أَنَّ بِالْيَدِ الْبَطْشَ، وَبِالْبَطْشِ تُعْرَفُ قُوَّةُ الْقَوِيِّ، فَلِذَلِكَ قِيلَ لِلْقَوِيِّ: ذُو يَدٍ؛ وَأَمَّا الْبَصَرُ، فَإِنَّهُ عُنِيَ بِهِ بَصَرُ الْقَلْبِ، وَبِهِ تُنَالُ مَعْرِفَةُ الْأَشْيَاءِ، فَلِذَلِكَ قِيلَ لِلرَّجُلِ الْعَالِمِ بِالشَّيْءِ: بَصِيرٌ بِهِ وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عُنِيَ بِقَوْلِهِ: {أُولِي الْأَيْدِي} [ص: 45] أُولِي الْأَيْدِي عِنْدَ اللَّهِ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فَجَعَلَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمُ الصَّالِحَةَ الَّتِي عَمِلُوهَا فِي الدُّنْيَا أَيْدِيًا لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ تَمْثِيلًا لَهَا بِالْيَدِ، تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ الْآخَرِ وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ: «أُولِي الْأَيْدِ» بِغَيْرِ يَاءٍ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ التَّأْيِيدِ، وَأَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْأَيْدِي، وَلَكِنَّهُ أَسْقَطَ مِنْهُ الْيَاءَ، كَمَا قِيلَ: {يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ} [ق: 41] بِحَذْفِ الْيَاءِ وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ} [ص: 46] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّا خَصَصْنَاهُمْ بِخَاصَّةٍ: ذِكْرَى الدَّارِ وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ} [ص: 46] فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ [ص: 117] الْمَدِينَةِ: (بِخَالِصَةِ ذِكْرَى الدَّارِ) بِإِضَافَةِ خَالِصَةٍ إِلَى ذِكْرَى الدَّارِ، بِمَعْنَى: أَنَّهُمْ أُخْلِصُوا بِخَالِصَةِ الذِّكْرَى، وَالذِّكْرَى إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ غَيْرُ الْخَالِصَةِ، كَمَا الْمُتَكَبِّرُ إِذَا قُرِئَ: عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ بِإِضَافَةِ الْقَلْبِ إِلَى الْمُتَكَبِّرِ، هُوَ الَّذِي لَهُ الْقَلْبُ وَلَيْسَ بِالْقَلْبِ وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْعِرَاقِ: {بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ} [ص: 46] بِتَنْوِينِ قَوْلِهِ: {خَالِصَةٍ} [البقرة: 94] وَرَدِّ ذِكْرَى عَلَيْهَا، عَلَى أَنَّ الدَّارَ هِيَ الْخَالِصَةُ، فَرَدُّوا الذِّكْرَى وَهِيَ مَعْرِفَةٌ عَلَى خَالِصَةٍ، وَهِيَ نَكِرَةٌ، كَمَا قِيلَ: لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمَ، فَرَدُّ جَهَنَّمَ وَهِيَ مَعْرِفَةٌ عَلَى الْمَآبِ وَهِيَ نَكِرَةٌ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قَرَأَةِ الْأَمْصَارِ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ، فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ هِيَ ذِكْرَى الدَّارِ: أَيْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُذَكِّرُونَ النَّاسَ الدَّارَ الْآخِرَةَ، وَيَدْعُونَهُمْ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَالْعَمَلِ لِلدَّارِ الْآخِرَةِ"