سورة غافر
وقوله: كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار يقول: كما طبع الله على قلوب المسرفين الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم، كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر على الله أن يوحده، ويصدق رسله جبار: يعني متعظم عن اتباع الحق واختلفت القراء في قراءة ذلك،
حَدَّثَنِي بِذَلِكَ ابْنُ يُوسُفَ، قَالَ: ثنا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنْ هَارُونَ، « [ص: 324] أَنَّهُ كَذَلِكَ فِي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ» وَهَذَا الَّذِي ذُكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، مِنْ قِرَاءَتِهِ يُحَقِّقُ قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ بِإِضَافَةِ قَلْبٍ إِلَى الْمُتَكَبِّرِ، لِأَنَّ تَقْدِيمَ «كُلِّ» قَبْلَ الْقَلْبِ وَتَأْخِيرَهَا بَعْدَهُ لَا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى، بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ فِي الْحَالَتَيْنِ وَاحِدٌ وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْعَرَبِ سَمَاعًا: هُوَ يُرَجِّلُ شِعْرَهُ يَوْمَ كُلِّ جُمُعَةٍ، يَعْنِي: كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ وَأَمَّا أَبُو عَمْرٍو فَقَرَأَ ذَلِكَ بِتَنْوِينِ الْقَلْبِ وَتَرَكَ إِضَافَتَهُ إِلَى مُتَكَبِّرٍ، وَجَعَلَ الْمُتَكَبِّرَ وَالْجُبَارَ مِنْ صِفَةِ الْقَلْبِ وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ بِإِضَافَةِ الْقَلْبِ إِلَى الْمُتَكَبِّرِ، لِأَنَّ التَّكَبُّرَ فِعْلُ الْفَاعِلِ بِقَلْبِهِ، كَمَا أَنَّ الْقَاتِلَ إِذَا قَتَلَ قَتِيلًا وَإِنْ كَانَ قَتَلَهُ بِيَدِهِ، فَإِنَّ الْفِعْلَ مُضَافٌ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْقَلْبُ جَارِحَةٌ مِنْ جَوَارِحِ الْمُتَكَبِّرِ، وَإِنْ كَانَ بِهَا التَّكَبُّرُ، فَإِنَّ الْفِعْلَ إِلَى فَاعِلِهِ مُضَافٌ، نَظِيرَ الَّذِي قُلْنَا فِي الْقَتْلِ، وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كَمَا قُلْنَا، فَإِنَّ الْأُخْرَى غَيْرُ مَدْفُوعَةٍ، لِأَنَّ الْعَرَبَ لَا تَمْنَعُ أَنْ تَقُولَ: بَطَشَتْ يَدُ فُلَانٍ، وَرَأَتْ عَيْنَاهُ كَذَا، وَفَهِمَ قَلْبُهُ، فَتُضِيفُ الْأَفْعَالَ إِلَى الْجَوَارِحِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْحَقِيقَةِ لِأَصْحَابِهَا"