سورة الحشر
القول في تأويل قوله تعالى: فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون يقول تعالى ذكره: فكان عقبى أمر الشيطان والإنسان الذي أطاعه، فكفر بالله
فِيهَا نُصِبَ؛ قَالَ: وَلَا أَشْتَهِي الرَّفْعَ وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ، فَإِذَا رَأَيْتَ الْفِعْلَ بَيْنَ صِفَتَيْنِ قَدْ عَادَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى مَوْضِعِ الْأُخْرَى نُصِبَتْ، فَهَذَا مِنْ ذَلِكَ؛ قَالَ: وَمِثْلُهُ فِي الْكَلَامِ قَوْلُكَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ عَلَى نَابِهِ مُتَحَمِّلًا بِهِ؛ وَمِثْلُهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الكامل]
وَالزَّعْفَرَانُ عَلَى تَرَائِبِهَا ... شَرِقًا بِهِ اللَّبَّاتُ وَالنَّحْرُ
لِأَنَّ التَّرَائِبَ هِيَ اللَّبَّاتُ هَاهُنَا، فَعَادَتِ الصَّفَةُ بِاسْمِهَا الَّذِي وَقَعَتْ عَلَيْهِ، فَإِذَا اخْتَلَفَتِ الصِّفَتَانِ جَازَ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ عَلَى حُسْنٍ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُكَ: عَبْدُ اللَّهِ فِي الدَّارِ رَاغِبٌ فِيكِ، أَلَا تَرَى أَنَّ فِي الَّتِي فِي الدَّارِ مُخَالِفَةً لَفِي الَّتِي تَكُونُ فِي الرَّغْبَةِ؛ قَالَ: وَالْحُجَّةُ مَا يُعْرَفُ بِهِ النَّصْبُ مِنَ الرَّفْعِ أَنْ لَا تَرَى الصَّفَةَ الْآخِرَةَ تَتَقَدَّمُ قَبْلَ الْأُولَى أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ: هَذَا أَخُوكَ فِي يَدِهِ دِرْهَمٌ قَابِضًا عَلَيْهِ، فَلَوْ قُلْتَ: هَذَا أَخُوكَ قَابِضًا عَلَيْهِ فِي يَدِهِ دِرْهَمٌ لَمْ يَجُزْ، إِلَّا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ: هَذَا رَجُلٌ قَائِمٌ إِلَى زَيْدٍ فِي يَدِهِ دِرْهَمٌ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَنْصُوبَ إِذَا امْتَنَعَ تَقْدِيمُ الْآخَرِ، وَيَدُلُّ عَلَى الرَّفْعِ إِذَا سَهُلَ تَقْدِيمُ الْآخَرِ."