سورة الطلاق
القول في تأويل قوله تعالى: واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا يقول تعالى ذكره: والنساء اللاتي قد ارتفع طمعهن عن المحيض، فلا يرجون أن يحضن من
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: إِنَّ مِنَ الرِّيبَةِ الْمَرْأَةُ الْمُسْتَحَاضَةُ، وَالَّتِي لَا يَسْتَقِيمُ لَهَا الْحَيْضُ، تَحِيضُ فِي الشَّهْرِ مِرَارًا، وَفِي الْأَشْهُرِ مَرَّةً، فَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ. وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصِّحَّةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عُنِيَ بِذَلِكَ: إِنِ ارْتَبْتُمْ فَلَمْ تَدْرُوا مَا الْحُكْمُ فِيهِنَّ، وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ لَوْ كَانَ كَمَا قَالَهُ مَنْ قَالَ: إِنِ ارْتَبْتُمْ بِدِمَائِهِنَّ فَلَمْ تَدْرُوا أَدَمُ حَيْضٍ، أَوِ اسْتِحَاضَةٍ؟ لَقِيلَ: إِنِ ارْتَبْتُنَّ لِأَنَّهُنَّ إِذَا أَشْكَلَ الدَّمُ عَلَيْهِنَّ فَهُنَّ الْمُرْتَابَاتُ بِدِمَاءِ أَنْفُسِهِنَّ لَا غَيْرِهِنَّ، وَفِي قَوْلِهِ: {إِنِ ارْتَبْتُمْ} [الطلاق: 4] وَخِطَابِهِ الرِّجَالَ بِذَلِكَ دُونَ النِّسَاءِ الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ مَعْنَاهُ: إِنِ ارْتَبْتُمْ أَيُّهَا الرِّجَالُ بِالْحُكْمِ فِيهِنَّ؛ وَأُخْرَى وَهُوَ أَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ} [الطلاق: 4] وَالْيَائِسَةُ مِنَ الْمَحِيضِ هِيَ الَّتِي لَا تَرْجُو مَحِيضًا لِلْكِبَرِ، وَمُحَالٌ أَنْ يُقَالَ: وَاللَّائِي يَئِسْنَ، ثُمَّ [ص: 53] يُقَالَ: ارْتَبْتُمْ بِيَأْسِهِنَّ، لِأَنَّ الْيَأْسَ: هُوَ انْقِطَاعُ الرَّجَاءِ وَالْمُرْتَابُ بِيَأْسِهَا مَرْجُوٌّ لَهَا، وَغَيْرُ جَائِزٍ ارْتِفَاعُ الرَّجَاءِ وَوُجُودُهُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَإِذَا كَانَ الصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ مَا قُلْنَا، فَبَيِّنٌ أَنَّ تَأْوِيلِ الْآيَةِ: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ} [الطلاق: 4] بِالْحُكْمِ فِيهِنَّ، وَفِي عَدَدِهِنَّ، فَلَمْ تَدْرُوا مَا هُنَّ، فَإِنَّ حُكْمَ عِدَدِهِنَّ إِذَا طُلِّقْنَ، وَهُنَّ مِمَّنْ دَخَلَ بِهِنَّ أَزْوَاجُهُنَّ {فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق: 4] يَقُولُ: وَكَذَلِكَ عِدَدُ اللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ مِنَ الْجَوَارِي لِصِغَرٍ إِذَا طَلَّقَهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ بَعْدَ الدُّخُولِ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ"