سورة الحاقة
القول في تأويل قوله تعالى: تنزيل من رب العالمين ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين يقول تعالى ذكره: ولكنه تنزيل من رب العالمين نزل عليه. ولو تقول محمد علينا بعض الأقاويل الباطلة، وتكذب علينا لأخذنا منه باليمين يقول:
الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} [الحاقة: 44] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَكِنَّهُ {تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الواقعة: 80] نُزِّلَ عَلَيْهِ. {وَلَوْ تَقَوَّلَ} [الحاقة: 44] مُحَمَّدٌ {عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ} [الحاقة: 44] الْبَاطِلَةِ، وَتَكَذَّبَ عَلَيْنَا {لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} [الحاقة: 45] يَقُولُ: لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْقُوَّةِ مِنَّا وَالْقُدْرَةِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ نِيَاطَ الْقَلْبِ. وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يُعَاجِلُهُ بِالْعُقُوبَةِ، وَلَا يُؤَخِّرُهُ بِهَا. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: {لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} [الحاقة: 45] لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَدِ الْيُمْنَى مِنْ يَدَيْهِ؛ قَالُوا: وَإِنَّمَا ذَلِكَ مَثَلٌ، وَمَعْنَاهُ: إِنَّا كُنَّا نُذِلُّهُ وَنُهِينُهُ، ثُمَّ نَقْطَعُ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْوَتِينَ؛ قَالُوا: وَإِنَّمَا ذَلِكَ كَقَوْلِ ذِي السُّلْطَانِ إِذَا أَرَادَ الِاسْتِخْفَافَ بِبَعْضِ مَنْ بَيْنَ يَدَيْهِ لِبَعْضِ أَعْوَانِهِ، خُذْ بِيَدِهِ فَأَقِمْهُ، وَافْعَلْ بِهِ كَذَا وَكَذَا قَالُوا: وَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ: {لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} [الحاقة: 45] أَيْ لَأَهَنَّاهُ كَالَّذِي يُفْعَلُ بِالَّذِي وَصَفْنَا حَالَهُ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ الْوَتِينَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.