سورة البقرة
القول في تأويل قوله تعالى: ولا فسوق اختلف أهل التأويل في معنى الفسوق التي نهى الله عنها في هذا الموضع، فقال بعضهم: هي المعاصي كلها
وَقَالَ آخَرُونَ: \" الْفُسُوقُ: التَّنَابُزُ بِالْأَلْقَابِ \"" ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَقِيلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ بْنَ مُزَاحِمٍ، يَقُولُ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرْنَا بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ فِي ذَلِكَ، قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَلَا فُسُوقَ} [البقرة: 197] النَّهْي عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فِي إِصَابَةِ الصَّيْدِ وَفِعْلِ مَا نَهَى اللَّهُ الْمُحْرِمَ عَنْ فِعْلِهِ فِي حَالِ إِحْرَامِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ} [البقرة: 197] يَعْنِي بِذَلِكَ فَلَا يَرْفُثُ، وَلَا يَفْسُقُ: أَيْ لَا يَفْعَلُ مَا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْ فِعْلِهِ فِي حَالِ إِحْرَامِهِ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ فِي إِحْرَامِهِ. وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ حَرَّمَ مَعَاصِيَهُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، مُحْرِمًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُحْرِمٍ، وَكَذَلِكَ حَرَّمَ التَّنَابُزَ بِالْأَلْقَابِ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ وَغَيْرِهَا بِقَوْلِهِ: {وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ} [الحجرات: 11] وَحَرَّمَ عَلَى الْمُسْلِمِ سِبَابَ أَخِيهِ فِي كُلِّ حَالٍ فَرَضَ الْحَجَّ، أَوْ لَمْ يَفْرِضْهُ. فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَلَا شَكَّ أَنَّ الَّذِيَ نَهَى اللَّهُ عَنْهُ الْعَبْدَ مِنَ الْفُسُوقِ فِي حَالِ إِحْرَامِهِ وَفَرْضِهِ الْحَجَّ هُوَ مَا لَمْ يَكُنْ فُسُوقًا فِي حَالِ إِحْلَالِهِ وَقَبْلَ إِحْرَامِهِ بِحُجَّةٍ؛ كَمَا أَنَّ الرَّفَثَ الَّذِي نَهَاهُ عَنْهُ فِي حَالِ فَرْضِهِ الْحَجَّ، هُوَ الَّذِي كَانَ لَهُ مُطْلَقًا"