سورة البقرة
القول في تأويل قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين اختلف أهل التأويل في معنى السلم في هذا الموضع، فقال بعضهم: معناه: الإسلام
السَّلْمِ) بِفَتْحِ السِّينِ. وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ بِكَسْرِ السِّينِ. فَأَمَّا الَّذِينَ فَتَحُوا السِّينَ مِنَ «السَّلْمِ» ، فَإِنَّهُمْ وَجَّهُوا تَأْوِيلَهَا إِلَى الْمُسَالَمَةِ، بِمَعْنَى: ادْخُلُوا فِي الصُّلْحِ وَالْمُسَاوَمَةِ وَتَرْكِ الْحَرْبِ وَإِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ. وَأَمَّا الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ بِالْكَسْرِ مِنَ السِّينِ فَإِنَّهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي تَأْوِيلِهِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يُوَجِّهُهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، بِمَعْنَى ادْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ كَافَّةً، وَمِنْهُمْ مَنْ يُوَجِّهُهُ إِلَى الصُّلْحِ، بِمَعْنَى: ادْخُلُوا فِي الصُّلْحِ، وَيَسْتَشْهِدُ عَلَى أَنَّ السِّينَ تُكْسَرُ، وَهِيَ بِمَعْنَى الصُّلْحِ بِقَوْلِ زُهَيْرِ ابْنِ أَبِي سُلْمَى:
[البحر الطويل]
وَقَدْ قُلْتُمَا إِنْ نُدْرِكِ السِّلْمَ وَاسِعًا ... بِمَالٍ وَمَعْرُوفٍ مِنَ الْأَمْرِ نَسْلَمِ
وَأَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ بِقَوْلِهِ: {ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ} [البقرة: 208] قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ: ادْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ كَافَّةً وَأَمَّا الَّذِي هُوَ أَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ بِكَسْرِ السِّينِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَحْتَمِلُ مَعْنَى الصُّلْحِ، فَإِنَّ مَعْنَى الْإِسْلَامِ: وَدَوَامِ الْأَمْرِ الصَّالِحِ عِنْدَ الْعَرَبِ أَغْلَبُ عَلَيْهِ مِنَ الصُّلْحِ، وَالْمُسَالَمَةِ، وَيُنْشِدُ بَيْتَ أَخِي كِنْدَةَ:
[البحر الوافر]
دَعَوْتُ عَشِيرَتِي لِلسِّلْمِ ... لَمَّا رَأَيْتُهُمُ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَا"